
سطحيّون بلا مضامين … فاحذروهم
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ” الناس السطحيون مضطرون للكذب دائماً, بوصفهم محرومين من المضمون ” . وما أكثر السطحيون في مجتمعنا في هذا الزمان ممن يجيدون الكذب واللعب على المبادئ بقيم مقلوبة ومفاهيم معكوسة تخيّل للبسطاء من الناس بأنها منهج قويم يضمن لهم المضي نحو بر الأمان .
وما أن تقترب كثيرا من حياة هؤلاء ” السطحيون الانتهازيون ” حتى تكتشف عالمهم المثقل بالأكاذيب والقائم على خداع الآخرين والضحك على عقولهم ، وما يطلقونه من شعارات براقة ما هي إلا كلمات فقط يتلفظون بها دون تأثير في سلوكهم فهم خاوون من المضامين الراقية ، والأهداف السامية ، وما يربطهم بالأخر مقدار ما يحققه لهم من مصالح ضيقة وأهداف خاصة .
سقت هذه المقدمة وأنا أتابع خلال الساعات الماضية الحدث العراقي الأبرز الذي سيطر على وسائل الإعلام كافة بمختلف صنوفها وضجت به مواقع التواصل الاجتماعي ، وهو تشكيل تيار سياسي جديد يحمل اسم الحكمة ، ولسنا ندري لغاية ألان مقدار اقترابه من اسمه وهل له منه نصيب كما يقال ؟ ، أم أنها حركة ” حربائية ” اضطر لها القائمون على المسمى الجديد استعدادا للمرحلة المقبلة وهروبا من الأخطاء المتراكمة التي كانوا جزءا منها وإلقائها على الآخرين وكان شيئا لم يكن .
أن خطوة الانشطار وتشكيل تيار او حزب جديد لا يلغي مسؤولية المنشطرون في تحمل أخطاء الماضي التي كانوا من المشاركين فيها بشكل أساسي ولا يعني خروجهم بتشكيل جديد براءتهم مما يحدث للعراق ألان ، فالانشطار وإلقاء الكلمات المنمقة لن تنفع مع العراقيين الذي أدركوا بعد هذه الأعوام خلوّها من المضامين وإنها لا تستحق قيمة الحبر الذي كتبت فيه .
والمؤسف جدا أن الكثير من الشخصيات الدينية أخذت تتراجع عن شعاراتها الإسلامية، في ظاهرة تبين عجز هذه الشخصيات عن تطبيق شعاراتها لأنها لم تكن منذ البداية تمثل قناعة لديها وان الضرورة كما يبدو دفعتها للاختباء خلفها وتحقيق الأهداف التي تسعى إليها من خلالها كونها تتناغم مع عواطف الناس البسطاء ممن ظنوا بهم ظنا حسنا واعتقدتهم المخلّصين لها من معاناة النظام المباد ، ولكن تبين فيما بعد صدق ما قاله نيتشه بان السطحيين يضطرون للكذب لخلوهم من المضامين .
ولم يعلم هؤلاء أن تراجعهم عن شعارات الإسلام التي حملوها ظاهرا وتبرؤهم منها وكأنها سبة عليهم او جناية تصيب من تبناها والتزم في الدعوة لها ، ليعطوا مبررا لأعداء الدين بان هذه الشعارات عاجزة عن قيادة المجتمع وان الأخير بحاجة الى خطاب وطني لمداواة جراحه !! وكان التعاليم السماوية قاصرة عن معالجة مشاكل الناس . والحقيقة أنهم قاصرون وعاجزون عن تطبيق شعاراتهم التي أوهموا الناس بها طمعا بأصواتهم وسعيا للمناصب التي تخدم إطماعهم الضيقة ، وان تراجعهم عنها هو طعنة للمصلحين على مر التاريخ بمختلف مسمياتهم ممن بذلوا الأنفس وقدموا التضحيات لإثبات أحقية الإسلام في قيادة الحياة .
وإمام هذه التجارب فان المجتمع العراقي مطالب بتشخيص المتلونين مما يشبهون الحرباء في تقلباتها تبعا لطبيعة الظروف المحيطة بها فسلوكهم على ما يبدو بعيد تماما عن شعاراتهم الزائفة التي يحاولون خداع الناس بها عبر اللعب على عواطفهم وخلط الأمور عليهم لتبدوا غير واضحة على الإنسان البسيط ، فالمجتمع هو المسؤول الأول عن إيصالهم فلا يلومنّ غير نفسه أن وقع بين أيديهم مجددا ، فمن يخون مبادئه التي بني عمله عليها لا شك انه لن يتراجع عن خيانة الآخرين وعدم الاهتمام بقضاياهم .
وكما هو واضح فان الأفكار المستقاة من التعاليم السماوية لن نشاهدها في سلوك أي فرد بشكل حقيقي وصادق مادامت لم ترتقِ لتكون جزء من قناعاته وان حاول إبداء عكس ذلك ، ولعلنا في العراق عشنا تجارب واقعية كثيرة جعلتنا نميز الغث من السمين ونفرز الحقيقي من المزيف ولا أظننا سنقع بالخطأ مرة أخرى إلا أن تعمدنا ذلك عنادا مع أنفسنا وأبناء جلدتنا طمعا بثمن بخس او منصب زائل فنكون ممن باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم فلا هم بالدنيا منعّمون ولا هم بالآخرة من عذاب الله ينجون .