
الاصلاح بعد تحرير الإنسان والأرض
مزامير يعقوب !
الاصلاح بعد تحرير الإنسان والأرض
قراءة تحليلية سريعة في خطاب النصر للمرجع اليعقوبي
اياد البنداوي / باحث في مجال تحليل الخطاب
في كتابه الجديد ” الاعلام .. الهيمنة الناعمة وبدائل المواجهة ” يشير استاذ تحليل الخطاب الدكتور محمد شومان الى وجود عدد من الخطابات المتصارعة يبرز من بينها خطاب مهيمن ومنتشر بغض النظر عن دقته ومصداقيته تشكله الايديولوجيا والسلطة والانحياز ، ويرى شومان ” لتحقيق الهيمنة الناعمة يتم انتاج وتداول خطاب جذاب شكلا وموضوعا ليكون قادرا على تزييف الواقع والتلاعب بالعقول دون أن يدرك الجمهور ذلك وبحيث يتابع الخطاب الاعلامي المهيمن بارادته الحرة ويتعود الجمهور على استهلاك هذا الخطاب بشكل يومي ، ويرفض أو يقاوم أي خطابات مغايرة … فيرفض الخطابات المهمشة بغض النظر عن صدقها وتعبيرها عن الواقع”
سقت هذه المقدمة للاشارة الى طبيعة تعاطينا مع الخطابات المختلفة والمتصارعة والمتناقضة في الساحة العراقية ، فبين خطاب التطرف الارهابي الذي جنى العراقيون الويل والثبور منه ، وخطاب الطائفية المقيت الذي ينفخ في نار الحرب ويأمل أن يستعر اوارها ، وبين خطاب “الانبطاح” الذي يتميز به بعض الخانعين من الساسة الذين فرطوا بحقوق أهلهم لحساب مصالحهم الشخصية والفئوية .
من بين هذه الخطابات المتصارعة يبرز خطاب الاعتدال الذي تتبناه المرجعيات الدينية في النجف الاشرف ليؤسس لقاعدة رصينة في التعاطي مع مشاكل الواقع العراقي وحلحلة أزماته ، ولما كان مفهوم المرجعية الدينية ينطبق على مصاديق عدة يتبنى كل منها خطابا سياسيا مغايرا للاخر انطلاقا من رؤيته واتجاهاته ازاء الانخراط في العمل السياسي وادارة شؤون الأمة بين مفترق طرق تمثل الولاية العامة احدى دلالته والولاية الخاصة الدلالة الاخرى ، وما دمنا مختلفين حد التقاطع في اتباعنا للمرجعيات – هذا الاختلاف والتقاطع المرفوض شرعا وعقلا – فاننا نتعاطى مع خطاب هذه المرجعية او تلك انطلاقا من اتجاهاتنا النفسية وخلفياتنا الثقافية فلا نسمع الا ممن نحب ونهوى ونصم اذاننا وعقولنا عن الاخر – الذي نختلف مع اختلافا ليس جوهريا ولا مبدأيا – ونركن مقولة امير البلاغة علي جانبا ” انظر لما قال ولا تنظر لمن قال ” .
ولعل أبرز الخطابات التي يهملها الكثير ويعطونها “اذن الطرشه” خطابات المرجع اليعقوبي ، لا لشيء الا لاختلاف البعض معه لأسباب دينية أو سياسية ضيقة ، ومع ان الكثير من المتصدين يرجعون لخطاباته بعد حين وينهلون منها دون الاشارة اليها ، لكن هذا الرجوع قد يكون متأخرا ولا يؤتي أكله بعد أن يفوت أوانه .
من هنا انطلق لتحليل الرؤية التي قدمها اليعقوبي في خطابه الاخير “خطاب النصر” الذي حذر فيه من مؤامرات تحاك هنا وهناك لسرقة النصر العراقي وتهميش أبطاله ، وأشاد ببطولة وتضحيات القوات الامنية والحشد الشعبي ، واشارته الأهم أن داعش لم تكن سوى صفحة من صفحات المواجهة بين الخير والشر والحق والباطل ، منبها لكيفية التعاطي مع المرحلة القادمة ، وقد ذكّر اليعقوبي بتقاسيم المشروع الانساني الذي طرحه منذ الوهلة الاولى لسقوط الموصل والذي يبتني على عدة معالجات لمواجهة الارهاب وتجاوز الازمة العراقية ويرسم خارطة طريق واضحة لانهاءها ، وتلك المعالجات تشكل منظومة متداخلة ومتكاملة ولا بد من تبنيها بالتوازي وعدم اهمال احداها , وهي :
1.المعالجة العسكرية : وقد نبه سماحته في اليوم الذي تلى سقوط الموصل (11/6/2014) أن الحل الاني لمواجهة هذا الاحتلال المخيف يستدعي تشكيل جيش رديف من المتطوعين العقائديين وتدريبهم وتأهيلهم بشكل عاجل ليكونا سندا وعونا لقواتنا المسلحة ، وقد تعززت هذه القناعة عبر فتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقها السيد السيستاني بتأريخ (13/6/2016) لتتجسد الدعوتان على ارض الواقع بتشكيل الحشد الشعبي الذي كان – الى جنب قواتنا المسلحة البطلة – عصا موسى التي لقفت ما يأفكون .
2.المعالجة الثقافية : فالمعالجة العسكرية لوحدها لا تكفي وقد جربنا ان الارهاب ما ان يجتث من بعض المناطق الا وظهر بحلة اخرى وعنوان جديد من القاعدة الى داعش ، بعد أن كانت الحواضن متمسكة بالفكر المتطرف والتعصب الاعمى والحقد على الحياة والانسانية والشركاء في الوطن ، وما لم تعالج هذه الحواضن علاجا فكريا ثقافيا يسير بها نحو شاطي الاعتدال ويحاول اعادتها الى جادة الصواب ، لن يتغير شيء وستكون أكبر خيانة لدماء الشهداء ، ومن هنا يدعو اليعقوبي الى ” مواجهة هذا المد الارهابي فكريا والوقوف على الاسباب الحقيقية لنشؤه وجذوره العقدية وان لا نكتفي بمعالجة الظواهر والاعراف دون معالجة المسببات الواقعية ” وقد طرح سابقا خطوات عملية لذلك كان ابرزها الدعوة الى رفد مكتبة الموصل بالكتب واعادة اعمارها كخطوة اولى لاعادة بناء الانسان الموصلي ، ونبّه سماحته إلى أن التخريب العقائدي والفكري والاجتماعي والأخلاقي الذي أحدثه الإرهابيون في المدن التي احتلوها أعقد وأخطر من التدمير المادي والاحتلال العسكري، وان تحرير الإنسان أصعب من تحرير الأرض.
3.المعالجة السياسية : اذ يؤكد اليعقوبي ” لابد من حل مشاكلنا بالحوار والتفاهم وان يأخذ كل ذي حق حقه وان لا يتمدد على حساب الاخر او يظلمه فالقتال والعنف والارهاب لا يفضي الى نتيجة عقلائية وهو امر ترفضه جميع النواميس العقلانية في العالم ” ويضيف في خطاب سابق ” لقد قلنا آنذاك ونكرر الآن أن الحل العسكري لا يكفي وحده ما لم يقترن بإصلاح سياسي يؤدي الى سلمٍ اجتماعيٍ ورفاهٍ اقتصاديٍ، وهذا يتطلب تنازلات عن الاستئثار والاستبداد من البعض والى إنصاف وصبر من البعض الآخر” واذا كان البعض يتجه ذهنه الى فهم خاطئ للتنازلات التي يقترحها سماحته فانه يشدد على كشف وتعرية وفضح الزعامات الطائفية الفاسدة ويشير الى مؤتمراتها الطائفية عبر التحذير من ” وجود المؤامرات والمداهنات والصفقات السياسية التي تحاك لخطف ثمار انتصارات الشعب العراقي لترتيب اوراق مرحلة ما بعد داعش على حساب دماء الشهداء وجهود المقاتلين وتضحيات المضحين” ، فالتنازلات التي يدعو لها المرجع اليعقوبي تنطلق من اسس وطنية واضحة ومحكومة بالدستور ومخرجات العملية السياسية ورفض الارهاب والابتزاز السياسي.
هذه رؤية المرجع باختصار شديد ، وهذه الحلول التي طرحها والتي نأمل أن ينصت لها العقلاء ويتمثلوها في سلوكياتهم وحواراتهم ونتمنى ان لا يهملوها فتفوت المصلحة على الوطن والشهداء والمظلومين فيه ، ونبقى نردد متأسفين ” على من تلقي مزاميرك يا يعقوب ؟