فزت ورب الكعبة ، حين رحل أبو تراب

هو اليراع ، قد وضع حروفه الثقيلة ، على أديم السطور وعلى جثث الأفكار ، وهو يتلوى في بحور الصياغات ، والبلاغات ، يفتش عن طهارة الكلمات ليدخل بها صومعة الشهادة العلوية ، على أعتاب ذكرى رحيل أبي تراب ، ها إنا اطرق بابك يا علي بأرتعاشة قلب (اخلع نعليك ، انك بالوادي المقدس طوى) ، ومع يراعي المدمي أتشرف بالولوج الى واحة الولاء المحمدي احمل على كتفي مداد الموالين بخطى متعثرة ، وإنا اسمع صوتا هادرا من أعماق التأريخ (يا دنيا غري غيري) ، أنت يا علي يا من نسجت للوجود قميصا ، على غير النول الذي حيك عليه قميص (عثمان) ، وصنعت للدين الحنيف حساما كان من غير معدن سيف عشيق (قطام) ، المرادي ابن ملجم ، ذلك السيف المسموم الذي قضم جذور العفن المتشعبة في بطون التأريخ ، لكن فؤادي ويراعي عشقا ذكراك ، وحارت الأفكار في معناك منبهرة ، عجز القلم والقرطاس وهما يلملمان الألفاظ والمعاني والصياغات ، وتكسرت الكلمات والحروف على السطور خجلا من إن توفيك حقا ، من معاجز الكلم ، فللسطور حنين زادت يراعي شغفا حتى غدا طيفها في فؤادي المدمي ، مسجى غير ذي حراك ، وحيث تعثرت أنغام الكلمات في قيثارة السطور ، وإنا أبحر من شواطئ حزني ، تزجيني أيدي الآهات في موج متلاطم ، وسطوري تشع في حدق الليالي زهوا وهي مثقلة بيوم حصادها في ذكر الشهادة ، ويراعي يرهف السمع عله يلقى رجعا يعالج صخب الأقوال.

أقوال المرجفين ، وحملة مصاحف (صفين) ، وشهادة في محراب الكوفة ، أمثولة قدسية الإبعاد والمعاني ، وبكل ما في الدرب من وعورات ، وبكل ما في الجهاد من إثقال ، وبكل ما في العمر من اوصاب ، لأنها الرسالة التي ترعرعت في ظل قلبك ، وغرقت من فيض حجاك ، ستظل ترتبط بمحامل سيفك ذي الفقار ، نياط مفاوزها ، لأنك لها ، إذ تغور بها الرحاب ، وحيث أبت صياغات اللغات ، وبلاغات الألفاظ ، إلا أن تلتحم مع أنين المداد الممتزج بحشرجة اليراع المتمددة على أديم السطور ، لتعيد نفسها ، دما احمرا قانيا ، على بساط المحراب العلوي ، هي ذات الحروف والكلمات والسطور الحزينة ، التي أبت إلا إن تكون ، مرثية ، دائمة ، تتربع على مراثي إل البيت المحمدي.

مدادي أضحى دم الجرح ، مرتمياً على صحيفة الهموم ، صارخاً ، يا علي ، وجمرة الأسى في صميم الحشا ، توجرت ، وتكسرت عبراتي ، بين مآقي العيون ، وندى دمك الزكي ، فار كما (فار التنور) ، حاملاً غصصي وشهقاتي بين الجوانح النائحة ، والشرايين الصائحة ، وارتجف اليراع بعاصف الأقدار جزعاً ، لوجد الفراق ، وعتب يراوح في خلجات النفس ، يكدر صفوة السنين ، و شجا ناقوس الذكريات ، وادلهمام سجف الليالي الباكيات ، ابحث عن دروب الصبر ، وأغفو على وسادة الحزن ،  واستيقظ بتمتمة الدموع ، والأنين ، ولوعة الفراق ، الفراق الذي شابت منه ذوائبي ، وجرح الشوق الغائر ، ينزف ، دون محطات وقوف ، ومن كل جفن ينبوع ، فاض ، وتفجر ، فناحت نسائم الدهر ، ورسمت اكف الحزن ، سواد الليل البهيم ، وسحائب من الآلام خيمت على الوجود ، انشر حروفك ، أيها القلم المدمي ، فليلي مسهد ، وبدرك يقظ ، وصمتك مخترق ، واجم وجوم المعابد ، والخلوات ، وصيحة الكرار (فزت ورب الكعبة) ، وأمواج من الدموع ، طافحة في دار العصمة العلوية ، وتفجر بركان الأحزان ، وها أنا اليوم أتوكأ على عصا الهموم ، وامشي على الجمر ، حائراً بين الدهر ، ولوعة الجرح ، وجمرة في القلب مستعرة ، حين اقبل الناعي وطرق سمعي ناعيته ، فاشتعلت بين جوانحي ، نار ، وهاج الأنين لفقد زوج البتول ، وارتجفت الأيام ، ووقف كون المعالي تحت منبرك ، في محراب الشهادة الهاشمية ، هنا تربع أمس ، بانتظار غد ، تعتكف فيه الشفاه ، هنا صدحت بخطابك ، وكل الأكوان صامته ، باسم الولاية ، وكأنك اختطفت الموت ، صرفاً ، ونحوا ، ولغات ، وجرت عيون السماء دموعاً حين اغتيل بدر الأمة على ارض كوفان ، فاظلم وجدان العالم ، ونشر الديجور ، وفجع نظام الكون ، .وشجا أصل النبوة بفاجعة الإمامة ، واهتزت أركان الهدى ، وردد لسان روح القدس ، ناعياً ، قد حل مصاب ، وأي مصاب ، فضجت أصوات النوح في العالم العلوي ، فاشدد حيازيمك يا علي ، ومحرابك الحزين ، يا زين الموحدين النجباء ، يناديك ،

أينك يا صاحب العصا والميسم ؟؟؟؟

أنين المحراب ، مكتوم ، يسأل عنك ، لم تركتني يا عماد الأتقياء ؟؟

أطلت الغياب يا علي ، ألا تدري أن موعد التكبير قد حان ؟؟؟

وخيوط الفجر ألقت بنفسها على أديم المحراب فغدت تحبو كطفل صغير ، لا تقوى أرجله على السير؟؟؟

أتراك تركتني يا صاحب الحوض واللواء..مع بقايا دمك الطاهر ؟؟؟

وحين نطق السيف ، صبت حتوف على حتوف ، وصمت العالم ، واختير المصرع ، ليكتب بدم الوصي ، صحائف اليقين ، ولترسم العزة بنضوح الشريان ، وتكدر وجه الكون ، وانطوت سماء العقيدة ، كمدا ، بعاصف من رياح النائبات وتكسرت صم جلاميد الصخور ، عزيز علي أن أراك صريعا ، وقد توسد خدك التراب ، يا أبا تراب ، أندبك كالوالهة الثكلى ، وان بقي ذكرك مقروناً بلسان المجد ، غياثاً للورى ، في سفر صيغ من جواهر الكلم ، صعب مغزاه في نهج بلاغتك ، إلا على العارفين ، ولأن أبكتني صائحات النوائح ، وحشرجات الثكالى ، في أوائل أسراب الذاكرين لهول الفاجعة ، التي زلزلت رواسي الدهور مذ عقد لك الأمر ، في اللوح المحفوظ ، وجرى القضاء أن تمضي شهيد المحراب ، وسواد الليل والديجور ، أمسى ثوب حزني ، وحدادي ، حين اغتالك سيف المرادي ، لينطلق نداء الوحي عند ذي العرش ، فيملأ الكون دوياً ، فنعى مقتلك العرش والكرسي ، وسكان سبع سماوات ، نعياً شجياً ، وبكى اللوح لفقدك يا أبا الحسنين ، بكاءً سرمدياً ، وأنت تكابد الأمر المهول ، وهتاف من امة ، بكت قبلك الرسول الابطحي التهامي ، لك أيها الأمير في الأحشاء نيران لم يزل لظاها يورى ، ودموع العين جرت دماً ، وهل يجدي بكاء العيون ؟؟؟

يا أخا المختار طه ، يا قسيم الجنة والنار ، في موعد الحشر ، تباً لأمة غيبت بدر الوفاء ، وعيون الوحي بكت ، تلتها دموع المصحف ، وزمزم ، والصفا ، وماج بدر الدجى في دمائه ، ارتمى على أديم المسجد الكوفي ، واحسرتاه ، والوعتاه ، لقد غسلتك سيدي في عبرتي ، كفنتك سيدي في مهجتي ، وضج الورى ، صياحاً ، بعيون همل ، هيهات لها أن تطفئ نيران الحشا ، وجمرات القلوب ، وحرقات المهج والأرواح ، وأنا أطوف بين الخلق ، صارخاً ، هو مولاي علي ، همت عشقاً بعلي ، يا إمامي يا علي ، سيدي ، استميحك عذراً ، في قبول سطوري ، هذه بضاعتي مسجاة في حضرة محرابك ، وقد غيض البحر الخضم ، وطمي ، بعدما عقد اللواء العلوي ، مجدا قدسيا ، ورحيقا كوثريا ، على أعتاب ذكراك يا أبا تراب ، وأربعة عشر قرنا عبر مفازات الدهور بسنيها ، بأيامها ، بلياليها ، بساعاتها ، ذابت كذوبان حبة الملح حين هوى سيف المرادي ، مخضبا تلك الشيبة الشريفة ، من نجيع الهامة الجريحة ، متوهمين أنهم قد حشروك بين بداية ونهاية ، او إمارة ، او بيعة خلافة ، ولك على كف ابن ملجم دثار الكفن ، وقماطك قميص عثمان ، لقد رحل أبا تراب مولى الموحدين ، وترك شهادته للدهور ، سراجا للأجيال ، فسلام عليك سيدي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا ، والحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار