فقاعة هوائية

أصبح البعض يعيش داخل فقاعة هوائية، متكورا داخلها مع هاتف ذكي، ينام على ضوء شاشته، وعندما يستيقظ يكون الهاتف، هو أول شيء يقوم بلمسه وتفقد ما به، أشبه ما يكون بطفل مدلل، ينام معه ويأكل معه ويرافقه لكل مكان، وبدأت أهميته تزحف، على باقي النشاطات الأخرى، مثل الرياضة والقراءة.

أصبح هو الراعي الرسمي للوقت المهدور والضائع، أصبح البعض يجلس ساعة تلو الساعة، دون أن يشعر بما يدور حوله، أشبه ما يكون مغيب، أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي، انه احتلال للعقول بأسهل الطرق واقل جهد!

أن لكل تغيير كبير لابد أن يسبقه تمهيد يهيئ الأرضية المناسبة له ، لكن هذا لم يحدث ، عندما اجتاحنا سيل التغير ودخلت مختلف وسائل التواصل ، بعد سنوات العزلة التكنولوجية عن العالم ، فلابد أن يرافق هذا التغير تغير كذلك بنمط السلوك الإنساني ، وردود فعل نتيجة هذا الانفتاح الغير مسبوق.

وبمرور الوقت ظهرت لنا الفقاعات الهوائية ، تلك الفقاعات التي اختارها أصحابها بمحض إراداتهم إن تكون هي العالم الذي يعيشه ، بعيدا عن أهله وأصحابه ومن يعرفهم ، عالم خاص داخل العالم الواقعي ، تعزل الإنسان عن محيطه العائلي والاجتماعي تدريجيا ، أنها بدايات لنهايات مؤلمة.

عندما يصل الإنسان الى قناعة ، أن ما في الهاتف من شخصيات ووجوه مستعارة ، هم أهم وأفضل مما يحيط به من الأشخاص الحقيقيين هنا يكمن الخطر ، إذ يفضل أن يزهد باللقاءات العائلية الحميمة ، ومكتفي بأصدقاء افتراضيين ، يلتقي بهم خلف شاشة جامدة باردة!

وأصبحت الافتراضية ملاذ للكثير منهم ، ومكان لتعويض ما ينقصه بالحياة الواقعية بشكل مبالغ به ، إذ قد يكون س من الناس لا يهتم بأخته او زوجته ، فض غليض معهن ، لكن نراه يمجد حواء بمنشورات ، ويغدق على من تعلق له بأجمل الألقاب والكلمات ، وغيرها الكثير من الأمثلة.

إما بعض النساء فقد تصاب بالغرور فعلا ، عندما تتلقى تعليقات تمدحها او تصفها بالجمال ، أنما هي محاولات بائسة للهروب من الواقع ، إضافة الى أن دخول هذه التكنولوجيا الى الحياة العراقية ، منذ أكثر من 13 عام أصبح هناك جيل يتعامل مع مسالة التفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي ، مسالة حياة او موت ، او أشبه بالواجب الاجتماعي ، كثيرا ما تصادفني منشورات يهدد ويتوعد أصحابها ، أذا لم يتفاعل الأصدقاء ضمن الصفحة ، سيصدر مرسوم ديواني ، بإلغاء الصداقة ، او يطالب احدهم المساعدة من الأصدقاء ، وقد تتصور من طريقة صياغته للمنشور ، انه يعاني ضائقة مالية ، ويروح يذكرهم بمواقفه الكيبوردية معهم!

او من يتطفل على الآخرين و يراسلهم ، في كل وقت يحلو له ، ويتوقع أن يتم الرد عليه ، فمعنى أن يكون احدنا أون لاين لا يعني انه متاح نفسيا للكلام او التواصل.

أن الاطلاع على ما يحدث من تطور وتقدم ومعرفة أخر الإخبار العالمية ، لشيء مفيد لكن لا نجعل العالم الافتراضي هو جل اهتمامنا ، يجب  تنظيم الوقت بين الأهم ثم المهم ، وان لا نضحي بما نملك من أناس حقيقيين ، ونكتفي بالافتراضيين منهم!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار