
سياسة التسول والاستجداء الدبلوماسية اليعربية
لا شيء يجيده العرب هذه الأيام أكثر من التسوّل والاستجداء والنواح على النكبات … فالشعوب مُنْفَعِلَة ساخطة على كلّ شيء بدءًا من إحساسها العارم بالظلم وقلة العدالة الدولية تجاه قضاياها المُلِحَّة ، مرورًا بسخطها الدائم من أنظمةٍ استنفدت كلّ مفردات اللغة في وصفها السيئ، وصولا الى فنّ الشحاذة السياسية الذي يمارسه الدبلوماسيون العرب أمام المجتمع الدولي، انتهاءً باجتماعات ومبادرات ومجموعة “قمم” تعكس خللا لا يستهان به من قلة النضج في معالجة الأزمات ….
إن المتابع لسيرة العلاقات الدبلوماسية الخارجية العربية في العصر الحديث، يلاحظ بشكل صارخ وواضح كيف إننا افتتحنا علاقتنا الدولية بالتسوّل منذ بداية استقلال الدول العربية أواسط القرن الماضي وحتى الآن.. وأصبحنا كالشحاذ الذي لا يريد “لعاهته “الشفاء طالما أنه يحقق منها المكاسب والمنافع ، وهو الذي تعوّد على العيش مُمتهن الكرامة وعالةً دائمة على الآخرين … !
وانحصر دور “الجماهير العريضة” وأمة “المليار” باستعراض صور الضحايا الدّامية، ورفع الأحذية ، وحرق الأعلام، والنواح على ضحايا المجازر وعدّاد المحارق، فيما يهرول “القادة ” لإعادة إنتاج شروط ” الأزمة” تحت تسمية مبادرات …
هذه هي الصورة التي نبدو عليها شعوبًا وحكّامًّا ومثقفين وبعد أن كنّا نمارس هذه “المهنة ” بخجل أصبحنا نمارسها “بإتقان” مذهل ، وكأننا ندور في مسرحية كلٍّ منا يعرف دوره المُعدّ له سلفًا.
فالشعوب تتظاهر… وهذا دورها المسموح به فقط ونقطة على السطر: “كومبارس صوتي” . و”الحكام ” يتكفلون بإعادة إنتاج الأزمة والكارثة عبر “تسوّلهم الدبلوماسي ” وسعيهم بين دول العالم بما يضمن لهم “استمراريتهم السلطوية” والحفاظ على “عروشهم ” ومغانمهم ومصالحهم واستقرار اقتصادهم .
والمثقفون والنخب والكتَّاب يدورون أيضًا في فلك الانقسامات السلطوية إما تسبيحًا بحمد هذا المسار وإمًّا إدانة لذاك المسار ، فيما ترتفع أصوات الفتاوى بـ”الجهاد” والنصرة تارة ، وتارة بالاكتفاء” بالدعاء” من باب درء المفاسد المقدم على جلب المصالح ..
وتضيع “الطاسة” وسط الهرج والمرج “الإعلامي” وفوضى “الفضائيات” وغابة “المقالات” ويحتار مسؤولوا وسائل الإعلام إي مسار سيلتزمون، دون أن يغضبوا “السادة الداعمين من المعلنين” ودون أن يفقدوا رضا” جماهير الحانقين” ويتحول المشهد كله الى كرنفالٍ مأساوي مجنون …
وبين هذا وذاك تعيث التنظيمات الإرهابية في الأرض جنونًا وفسادًا و قتلا وتدميرًا وارتكابًا لشتى انتهاكات الحقوق الآدمية وهي تدوس بذلك على “كرامة الإنسانية” ضاربة بعرض الحائط القيم البشرية والأخلاقية كلّها …وهي تريد أن تُقنع شعوب الأرض أن “صواريخ” حزب الله مثلا المحلية الصنع او المستوردة سببًا وجيهًا وكفيلا بتحريك كلّ آلة الأرض العسكرية برا وبحرا وجوا … هازئة بالأمم المتحدة وكافة مؤسساتها العاجزة عن القيام بأبسط المسؤوليات الإنسانية في مناطق النزاع …
ولست بمعرض الدفاع عن “الصواريخ” التي لا ترقى لهذه التسمية ، أو مناقشة مدى جدواها وفعاليتها، كما لست بمعرض تبرير إي نوع من أنواع العنف ولست أيضا في وارد مناقشة “الحصار” الذي لا مبرر له في “العرف الإنساني” وله ألف مبرر في العرف “السياسي” .
وفي هذه المنظومة “المادية الجشعة “: نعم إفلاس بنك عالمي واحد أشدّ بأسا ورعبا على النظام العالمي من “ألف ضحية آدمية” نعم هذه هي الحقيقة المرعبة التي يجب أن يعيها أصحاب الألفية الثالثة … وبلغة المصالح لا مكان “للأخلاق” أيا كان منبعها (إنسانية المصدر أم دينية أم عقائدية …) وإنما تُسخَّر العقائد كلها لخدمة السياسي، وتُسخر القضايا الإنسانية لتحقيق المكاسب العملية ، وهذه هي قمة العنف الذي يتحكم بسلوك الأمم ويدفع ثمنه الإنسان …
إذن المادية المفرطة هي المسيطرة على كل العلاقات فيما يُعرف ب “النظام العالمي ” الحالي، وما نراه من صراعات في مختلف أقطار الأرض هو جزء من الدوامة تلك؛ وما قضية غزة كمثال إلا الانعكاس الذي تسعى من خلاله الدول الإقليمية الى احتلال أفضل موقع “سلطوي” عبر تشكيل محاور لتحسين الشروط “السياسية والاقتصادية وان كان عبر الاتجار بقضايا إنسانية “كدماء الأطفال في غزة وسوريا والعراق واليمن وغيرها من بلاد العرب أوطاني …
إن (عقلاء) بني إسرائيل كم يسمونهم يعلمون عين اليقين أن عنف المجازر سيرتدّ وبالا عليهم ، وهم يحذّرون قادتهم يوميًّا بأن “القتل” سَينهي مشروع “دولة إسرائيل” وسيسقطها “أخلاقيًّا” أمام الرأي العام العالمي، حتى وان ربحت سياسيا وحققت أعلى المكاسب عسكريا .
و بعض حاخامات اليهود يحذرون من مغبة انهيار “المنظومة الأخلاقية اليهودية” التي طالما حاولوا ان يبعثوهَا في أبنائهم بوصفهم “أمة سامية مختارة” وهم كديانة سماوية ترتكز على مفاهيم “الكابالا ” التي ترقى بالانسان عن سفك الدماء …
ويبقى لدى الانسان العاقل أمل بأن “الوعي مفتاح الفرج ” وان الاخلاق الانسانية ستبقى عقبة كؤود في وجه دولاب العنف برغم “المسرحيات السخيفة والمخيفة التي يدخلنا بها الساسة وهم بدماء الاطفال يتاجرون.”
قال لي اليوم أحد الاشخاص :”نتمنى زوال المحنة بأسرع وقت ” فأجبته : “المحنة الآنية لا شك ستزول قريبًا ولكن كارثة القرارات والاتفاقات والتسويات ستبقى! ” فصنّاع الحروب و”القادة ” سيعيدون انتاج” كوارثهم ” تحت مسميات عدة لتحسين شروط توازن “القوى”، غير انهم أبعد ما يكون عن ابتكار حلول لصناعة الحياة، فالسلام نمط فكري، وتوجه سامٍ ، وسيرة عادلة ومنهج انساني وليست صفقة تنجز عبر الشحاذة الديبلوماسية واستجداء المناصب و ركوب السلطة وبناء العروش بالجماجم…..