
بلادي تحترق بنيران العبيد
من على وسادة الخوف يصحو، وعيناه يملأها الدمع، الذي أحرق وجنتاه، فلا أعلم أهي حرارة قلبه المستعر! أم حرارة النار التي أُقدت بالديار، ماسكةً بطرف المدينة الشرقي، تتسارع نحو طرفه الغربي، تبطئ تارة وتسرع أخرى، ياله العجب كل العجب! بلادي يغمرها اللهب! دخاناً اسود وغبار، دياري تستعر النار، ماذا حل بك يا بلادي….!
بقيت في حيرةٍ من أمري ! ذهني القاصر لا يدرك الذي حدث، أهي حقيقةً أم رؤيا، فأخذت أسأل العاجزين عن التأويل، عما يجري فمنهم من يجتهد بالقول والتفسير، ليخبرني إن عدواً وضع جمرةً في الهشيم، قال آخر جاء غريباً يتستر خلف ظلام الليل الدامس، يحمل مشعلاً قد أخفاه عن أعين النظارة، أستغل الأمان الذي نحن فيه، فتسلل بين أزقة المدينة ليحرق أكوام الحطب الذي ادخرناه لبرد الشتاء القارص فالتهمت النار كل شيء.
ناداني آخر من بينهم أيا أيها السائل، اذهب لقارئة الفنجان واسألها عسى أن تأتيك بالغيب الذي غاب عنا، فاقتنعت بكلامه، وذهبت للبحث عنها في النواحي الغربية البعيدة، حتى وصلت الى إطراف ديارها، فوقفت مندهشاً مرعوباً وقد دب الخوف في قلبي الذي كاد خفقانه يكسر إضلاعي ، ليخرج من صدري النحيل.
شاهدت ما لم تشاهده عيناي، ولم تسمع به إذناي ، شاهدت ناراً سوداء لا ضوء فيها ولا دخان، تلتهم كل شيء! فلم تُخلف غير الرماد أثراً، وإنا في ذلك الذهول أسير، اسأل وابحث عن دار قارئة الفنجان، فلم يجبني احد! الكل ينظر إلي بصمت واستغراب، بعيون يملأها الخوف, وقلوب يملأها الرعب، ما الذي حدث لتلك المدينة، التي كانت عامرةً بأهلها وأبنيتها الشاهقة وأسواقها الزاهية.
وجدت صبياً يلوذ بجدار أحدا المنازل ، الذي بات حطباً لتلك النار، فسألته عن غايتي فأشار لي بسبابته نحو الشرق ، وقال تجدها في خيمة النازحين ، فلما وصلت سألت عنها اخبروني قد لا تلحق عليها ! لماذا ؟ لأننا تركناها تحاول إخراج ابنتها ذات الربعين ، التي تأبى الخروج من دارها ، ما السبب ؟
لأنها شاهدتنا ونحن نغتصب ، إمام أنظار قومنا من قبل صاحب المشعل ، حيث وهبنا له كبار القوم ، فقلت أشرن لي أين أجدها ؟ فأومأت لي أحداهن ودموعها دماً تجري على وجنتيها حسرةً على شرفها ، اتجه غرباً ، أسرعت وقدماي تتخبطان في بعضهما ، حتى شاهدتها تصرخ بأعلى صوتها أبنتي تحترق ، لكنها لا تشعر بإطراف ثيابها تشتعل ، ما إن وصلت لها وجدت قد احترق كل ما يسترها من ثياب ، فنزعت شماغي ولففتها به وحملتها على ذراعي ، وهي تتمتم في لحظاتها الأخيرة بكلمات –
باعنا كبار القوم , وهبنا إمام المسجد , زهدوا بنا أهلينا – ودموعها تجري على وجنتاها المحترقتين، سألت لمن؟ قالت لصاحب المشعل ! أين ذهب ؟ فأشارت بطرف عينيها الى نهاية الحيّ ، ما إن أوصلتها لجمع النساء ، حتى ركضت مسرعاً نحوه ، وصلت إليه فوجدته قزماً , أشعث , اغبر , قد سودت وجهه إعماله الدنيئة، وأفعاله الرذيلة.
يجتمع حوله عديد من اهل الحي، فسألت احدهم في آخر القوم بصوتٍ خافت، مالذي يدفعكم باللحاق به؟ قال لم يبقى لنا شيء – ديارنا احترقت, بواكرنا اغتصبت, اطفالنا خطفت، اموالنا سلبت, تجارتنا نهبت- فلم يبقى شيء نخشى عليه من الضياع، فهرول وهو يصرخ “عليّ وعلى أهلي” ولم يقل “عليّ وعلى أعدائي”.
فرجعت الى دياري مهموماً منكسراً، وصلت قبل موعد صلاة الظهر بلحظات، دخلت الى مسجدها الكبير، فوجدت الناس قد اجتمعت في باحت المسجد، أنبأتهم بما شاهدت بعيني بينما انا احدثهم، صعد الخطيب منادياً حيا على البلاد.
فما إن انتهت الصلاة إئتزر القوم اكفانهم، حاملين معهم ما يصلح به القتال، فخرجناً وخطانا تتسارع نحو صاحب المشعل، فكان الجو ملتهباً من حرارة شمس الصيف اللاهبة وحرارت النار المستعرة؟ منهم من هب ليخمد النار وآخر اسرع ليأتي بما تبقى من الاطفال والنساء والشيوخ، ليسكنهم ديارنا، وذهبنا نحن لقتل صاحب المشعل، نطأ المنايا بأقدامنا، لنزف قوافلاً من الشبان الى جنات النعيم، بمحافل عرس، بنعوش اسدل عليها بدلات زفافهم البيضاء، زينت بالورود الاحمر والاصفر.
وطاف الكهول افواجاً حول مناياهم، محرمين بأكفانهم ليحجوا الى ديار الآخرة، ونحن ما بين هذا وذاك نطفئ ناراً ونبني داراً، نرسم البسمة على شفاه الاطفال، ونكحل عيون الصبايا بدمائنا القانية، فنتفترش رمال الصيف الحارقة, ونلتحف سماء الشتاء الباردة, لنجسد اروع ملاحم الشرف والبطولة والاباء، بفضل دعاء امهاتنا وآبائنا الذين ما ادخروا فينا جهداً، في سبيل بلادنا ومقدساتنا.