من الجهل إلى التجهيل تجارة لن تبور

ليس الجهل حالة إستثنائية في وجود الإنسان إذ هي مما يقتضيه الطبع، ونقطة الأمل هنا أن تُعادل الكفة في طرح المقابل له في أصل الطبيعة الانسانية وهو العلم، لأن الإنسان بأصل خلقته يميل إلى تحقيق الخير في ذاته . لكن المشكلة كل المشكلة هي تجهيلُ الإنسان باسم العلم والدفاع عن الحقيقة ، وتزداد وعورةُ هذا الطريق حينما يُحارب العلم ويصدر الجهلُ باسم الدين. ومن هنا فإن مسؤولية العالم الرسالي أن يقف بوجه الجهل والتجهيل لأن بقاءه يستدعي مسخَ الهوية ويقف حائلاً دون الرقيِّ في سلَّم الحضارة ، وتزداد مسؤولية العالم حينما تلزمُه الحجةُ القاطعة والبراهين الشاهدة في مسألة ما فلا يبقى هناك مجالاً لاعتزال المشهد والبقاء في صومعة المراقبة . ويذكر لنا التأريخ أن علياً (عليه السلام) اعتزل مَن تداعى على الخلافه وأخلى لهم عنانَها ، واستمر في رفضه لها حتى أُقيمت له الحجة فقال: ((لو لا حضور الحاضر ، و قيام الحجّة بوجود النّاصر ، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها.)) فحينما تتوفر الأدلة العلمية الموثَّقة بين يدي العالم في نقد ظاهرة ما بلغت حد الأسفاف بالعقول والاستهزاء بالدين من ذوى النفوس الضعيفة المتاجرين باسمه فقد ألزم الحجة هنا في قول كلمة الفصل التي تقصم ظهر الفتنة وتعيد الوعي إلى نصابه ، التى توصد أبواب الجهل وتأخذ بأيدي الناس إلى سواء السبيل . . ظاهرة القبور أو المزارات الوهمية لم تعد حكاية عادية بل عكست حضارة وقيم وثقافة شعب يدعي الانتماء لخط الرسالات، بلد منذ ولادته عاصر الحضارة واحتضن الدين صار مهداً لكثير من الرسالات حتى عرف عنه بـ( وادى الانبياء ) إنه تحدٍ كبير لمن ينتمى لهذا البلد أن يرضى بمسخ هويته التي نافح من نافح في طول الخط التأريخي لأجل إثباتها أن يكون مصيره متأرجح على قارعة الطريق بحسب ما يدعي المبطلون ، فهو لديهم مهلهل وشعبه مضطهد ومطارد ، ولذلك كُتب عليه أن يكون ربيب الجهل. هذه الصورة المخجلة التى لبست ثوب الدين وتزينت به لتغدو مونقة ، يراد لها أن ترسم خارطة الطريق نحو مستقبل يسوده التخلف هي أخطر ما يكون على وعي الشعوب لانها أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، والأدهى منه أن من يتحرك من موقع المسؤولية ليواجه الانحراف تنبري له المنابر المزيفة التي تخشى كساد تجارتها والأقلام المأجورة التي باعت ضميرها في سوق النخاسين وكل ذلك ايضا باسم العلم والدين . في هذا الجو المشحون تبرز كلمة الحق كلمة المرجعية الشاهدة لتحيد الموقف لصالح الوعي وتلم الشتات المبعثر وتسد الثغور على تجار الضمائر التي تسعى لإبقاء الوعي تحت مظلة الجهل فلايستبعد أن يكون الرد عنيفا من الجهة المعارضة . لأن هذه الجهة في منهجيتها أشبه ما تكون من شبكة لصيد الاسماك لكن الامر هنا مختلف فهي لا تصيد العقول فحسب بل تتاجر بها وتوجهها نحو الإسفاف حتى تفقد قيمة الوجود فيها ويدرج صاحبها في سلسلة المجانين المسيرين . وباسم الدين أيضاً نقول لأمثال هؤلاء إن الاصل في انتساب قبر لشخصية ما هو العدم وحين الشك بصحة انتساب هذا القبر له من عدمه علينا من باب الاحتياط البناء على عدم نسبته له بحسب قاعدة الاستصحاب .اي استصحاب الحالة السابقة قبل الشك وهي الأصل وبذلك نتجاوز الشك لنصل منه الى اليقين ، وخصوصا حينما تتوفر لدينا الكتب والدراسات الموثقة للمحققين والمؤلفين البارعين من ذوي الاختصاص هنا لا مجال للتدليس والتزوير، والحجة باتت قائمة ولا مجال للشك فيها . ودموع التماسيح لم تعد تجدى نفعاً، لأن الشعب بات واعياً من يبكي له في محنه وآلامه ومن هو معه فيما حل به وبين ذاك الذي يضحك عليه. فالوعي هو سيد الموقف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار