
الحمداني والخشلوك: مهزلة الإعلام العراقي
يُقال إنَّهُ فلسطينيّ، لكنه ليس كذلك، بل يحملُ الجنسية العراقية، لكن لهجته هي ما يُشكَل عليه، والرجلُ لا تثريب عليه، فابنُ أطراف بغداد، أحبَّ أن يُقلّد لهجةَ التكارتة، باعتبارهم عشقه الأزليّ، وحين سقط صدّام، وعملَ في مؤسسة لبنانية، أيضاً حاول التقرّب من مدرائه، فقلبَ لسانه، وصار هجيناً، بلحظةٍ واحدة بين البدويّة والبغداديّة (اللهجة) واللبنانية.
من دون مؤهلات، دخل تلفزيون الشباب في الصدفة، لكنَّ لسانه بمسح الأكتاف والأحذية جعله يصعدُ بشكلٍ سريعٍ إلى حيث الشاشة، وكان شيئاً نادراً إذ أنّ في العراق، وقتها 3 فضائيات.
أنور دلف الحمداني، كان يرتدي الزيتونيّ أثناء تقديمه التغطيات، ويُروى أنّ صدام حسين، وفي يوم الانتخابات الديتوليّة، ذلك أنها كانت بصالح صدام بنسبة 99.99، كان قد رأى تلفزيون الشباب صباحاً، وكان فيه أنور، وعاد اليه مساءً، وكان فيه أنور، فقال جملته الشهيرة: ماكو غير هذا الولد؟ وكرّمه بسيّارة، كما يروي الموظفون القدامى.
وهذا هو طبعُهُ، حيثما يكون رئيسهُ أو مديره، يكون هو، وعلى مزاجه، يكونُ ملكياً أكثر من الملك، وصدامياً أكثر من صدام حسين، وخشلوكيا أكثر من الخشلوك.
يروي أصدقاؤه، انه حتى العام الماضي، كان هاتفه يحملُ صورة صدام حسين، وأنه لا يسمّيه إلاّ بـ”الشهيد صدام”، بل أنه أعدّ فيلماً وثائقياً لقناة السومرية، حمل عنوان “القرار الأخير”، وأشار الى أنه “أبسط هدية يُمكن أن تقدم للرئيس”.
وأُعدم صدّام، فعاد الحمداني يبحثُ عن رأسٍ جديد ليكون ذيلاً له، ولأن زعماء العراق الجُدد شيعة، وهو لا ينسى أنه طائفيّ، اختار هذه المرة عون حسين الخشلوك، وهذا الشخص حكايته مُختلفة.
(2)
عام 1961 ولد عون حسين الخشلوك، في مدينة قلعة سكر، التابعة لمحافظة ذي قار، وهو ابنٌ لتاجر عراقيّ، يشير الخشلوك الى انه غادر العراق عام 1979، ليدرس خارج العراق “على نفقة والده”، وفي اليونان، ومن هناك بدأ أعماله، إلاّ أن هناك أحاديث كثيرة عن كونه ارتبط مع عدي صدام حسين في صفقات بواخر السجائر التي كانت تضربُ الماركات العالمية وتُورّد للمستهلك العراقي، وتقول الأحاديث أيضاً إنه كان يستثمر مع عدي بمبلغ كبير، وبلحظةٍ واحدة اخذ مبلغاً كبيراً من المال وهرب وأخفى مكان سكنه لأكثر من 4 أعوام قبل أن يسقط النظام في 9/4/2003.
حاول الخشلوك بشتّى الأفعال أن يكون “رمزاً”، يصاحبه بذلك عدد كبير من الصحفيين قليلي الموهبة، فأنشأ منتديات ثقافية، وجائزة أدبية، ثم عالج عدة أطفال على نفقته، وكان يملأ بهذه الأمور جدران محافظته الأم: ذي قار، لكن اللافتات كانت تُمزّق في اليوم التالي.
وقد يمضي أبعد من هذا، فيفبركُ خبراً عن استقبال البابا له في الفاتيكان، فيترصده معارضوه وأعداؤه من دولة القانون، بترجمة المقطع، فيكون ليس له أي علاقة بالخشلوك، سوى ظهوره باللقطة.
يعشق الخشلوك السيجار والويسكي، مثل أيّ صاحب مليارات، ويُرسل هداياه الى أصدقائه سيجاراً كوبياً، لكنه يعود ويأمرُ إعلامييه بتلميع صورته، خصوصاً بقناة البغدادية.
(3)
أطلق الخشلوك البغدادية عام 2005، ورغم أنّها تحتوي على أسماء إعلامية لامعة، وصنعت إنجازات لا بأس بها على صعيد الدراما خصوصاً، لكنها تدريجياً، ومع صعود أسماء إعلامية وظيفتها الصراخ، بدأت بالتراجع، وتحوّلت الى قناة هامشية، وبالمقابل إنّ مقدمي البرامج السياسية في البغدادية هم المقدمون الذين يصرخون ويشتمون ولا يعرفُ المشاهدُ ماذا يريدون، حتى أن هناك أساليب مخجلة انتشرت في الإعلام العراقي بسبب هذه الطريقة بالتقديم.
تحاولُ البغدادية أن تُطلق على نفسها “حكومة الظل”، وتلصقُ نفسها عنوةً بالتظاهرات، أيّاً كانت، ما دامت ضد الحكومة، بطريقةٍ فجة، حتى وصل الأمر الى ضرب مراسلها وتحطيم كاميرته في ساحة التحرير في التظاهرات الأخيرة.
وليس هذا فحسب، بل كانت تقربُ ناشطين تحوم حولهم علامات استفهام، بمقابل القياديين الفعليين للتظاهرات، حتى بدأ الشارع يلقبهم بـ”متظاهري البغدادية”.
مصدرٌ في ساحة التحرير أكد أن هناك أكثر من ثلاثة أشخاص كانوا يوزعون أموالاً لبعض الناس من أجل رفع صور الخشلوك، ولوغو البغدادية، حتى بدأ المتظاهرون الفعليون بمهاجمة البغدادية، وأنها تحاول حرف مسار التظاهرات لصالح اسمها واسم الخشلوك.
“حكومة الظل” هذه، لا تذكرُ بعض السياسيين لا من قريب ولا بعيد، وهي تنتهجُ نهجَ اخواتها من القنوات في ابتزاز السياسيين من أجل مشاريع تذهب فيما بعد لمجموعة الخشلوك الاستثمارية، ففترةٌ يسكتُ “تيار الشعب” كما يُقال، عن الصدريين، وبعد أن يُحال مشروع ما عن طريق مدير عام صدري مثلا، يعودون لمهاجمته، ومرةً يسكتون عن المطلك مثلا، حتى يُحال مشروع عن طريق سياسيّ سني، وهكذا.
أما الكرد، فكأنهم غير موجودين في البلاد أبدا!
(4)
ستوديو التاسعة، هو برنامج أنور الحمداني، أو كيس الزعيق والصراخ، في البدء اجتذب الحمداني المواطنين، ثم بدأت الأمور تتضح وتتجلى للمتلقي، حتى ابتعد عنه تدريجياً، بالإضافة الى ظهور برامج لإعلاميين مشهورين في العراق سحبت من تحته بساط التاسعة مساءً وذروتها.
يبدأُ الحمداني، الذي دأب على ارتداء بذلة سوداء وربطة عنق مظلمة، بالزعيق بداية الحلقة، ثم محاولة إهانة الضيف، والصراخ بوجهه، بعض الضيوف كانوا ضعفاء، لكن آخرين مسحوا به الاستوديو من أمثال عزة الشابندر ومحمد العسكري وغيرهما.
لكن هذا لا ينفي استضافته المتكررة لرموز التيار الصدري، ويتركهم يتحدثون، حتى ان مها الدوري بدأت تتحدث بسخافات الماسونية وغيرها ببرنامجه دون ان يقاطعها حتى.
تدريجياً، بدأ البرنامج يصبح مملا، ومادةً للزعيق، ثم حاول ركوب التظاهرات الأخيرة والاعتصامات بارتدائه الكفن، مقلداً بهذا السيد مقتدى الصدر، لكنه في الحلقة التي تلتها، فبرك مقطع فيديو لعضو الهيئة السياسية للتيار الصدري صلاح العبيدي بطريقةٍ مضحكة، ما أسفر عن رفع دعوى قضائية ضده من قبل العبيدي، ثم فضحه على يد إعلاميين آخرين مثل عدنان الطائي (قناة دجلة).
(5)
تم إغلاقُ مكتب البغدادية في العاصمة بغداد لمرّتين، الأولى بعهد المالكي، والثانية بعهد العبادي، والحق يقال، إن الإغلاق لم يكن قانونياً، وهي محاولة تكميم أفواه يرمزُ لجهل الحكومتين بقوانين الإعلام، وان هناك قنواتٍ أكثر خطورة من مجرد زعيق البغدادية كانت أولى بالغلق.
(6)
من حطّم الآخر؟ هل أنهى الخشلوك، بسبب نرجسيّته، مستقبل إعلاميّ مثل أنور الحمداني؟ أم أنّ تملق الحمداني له دفعه أمام الأضواء بشكلٍ مضحك حتى صار مثالاً للانتهازية لدى كثيرين؟ بل حتى إنه قدم نفسه بصفة “الثائر عون الخشلوك”، بتهنئته الأم العراقية بمناسبة عيدها.
ثائرٌ عظيمٌ في العراق، ذلك الذي لم يزر العراق منذ 1979.