
في موسم عاشوراء نتمثّل الحسين(ع) القدوة في الثورة والإصلاح
الإمام الحسين(ع): الانفتاح الرسالي
“حسين مني وأنا من حسين”. تؤكد هذه الكلمة المروية عن رسول الله(ص)، كيف كان ينظر رسول الله(ص) إلى الحسين(ع) في عناصره الروحية الإسلامية المنفتحة عليه(ص) من خلال رسالته لا من خلال نسبه، فهو منه نسباً، ولكنّ هذا النسب بكل قيمه ومعانيه، دخل في عقل الحسين(ع)، وفي مشاعره وأحاسيسه، وامتد في كل حياته. لقد عاش الحسين(ع) طفولته مع جده رسول الله(ص)، وكان يملك الوعي والذكاء، بحيث كان يلتقط كلمات جده(ص)، وكان ينفتح على مشاعره وأحاسيسه، وكان يتطلّع إلى عينيه ليستوحي منهما كيف يمكن له أن يرتفع بهذا الضوء الرسولي المنطلق من عيني رسول الله(ص) إلى الله سبحانه وتعالى.
وهكذا عاش الحسين(ع) مع أمه الطاهرة المطهرة المعصومة التي عاشت مع رسول الله(ص)، فتعلمت منه كيف تنفتح على الله سبحانه، وكيف تعيش الروحانية كأعمق ما تكون، وكيف تحمل الرسالة للمؤمنين والمؤمنات، وكيف تواجه المواقف الصعبة، عندما وقفت بكل عنفوان وصلابة وشجاعة في مسجد رسول الله(ص) لتدافع عن الإمامة، وكانت تقول للمسلمين: “اعلموا أني فاطمة وأن أبي رسول الله”.
وهكذا عاش الحسين(ع) وأخوه الحسن(ع) مع أمهما فاطمة(ع)، فانفتحا على شخصيتها التي كانت إسلاماً وحقاً كلها، وتحدياً لكل الانحرافات التي عرضت للمسلمين، حتى كان كل همها في كل عمرها بعد رسول الله(ص) أن تدافع عن إمامة علي(ع)، عندما قالت(ع): “وما الذي نقموا من أبي الحسن؛ نقموا، والله، منه نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه”، حيث كانت تريد أن تعرّف النساء والرجال من هو عليّ، ومن هو هذا الإنسان الذي قال له النبي(ص): “أنت مني بمنـزلة هارون من موسى”، “من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه”.
واختزن الإمام الحسين(ع) كل مشاعر أمه وأحاسيسها، وانفتح على كلّ عقلها، وعاش مع أبيه عليّ(ع) في كل تلك الأوضاع الصعبة التي واجهها، عندما أُبعد عن حقه وصبَرَ على ذلك صبْرَ الأحرار، وعندما ارتفع بروحيته ومسؤوليته إلى مستوى حماية الإسلام والحفاظ عليه، لأن علياً(ع) كان يرى أنه مسؤول عن الإسلام خارج الخلافة، كما هو مسؤول عنه داخلها، لأن الخلافة كانت عند عليّ(ع) وسيلةً من وسائل إقامة الحق وإزهاق الباطل، كما قال لابن عباس وهو يخصف نعله: ما قيمة هذا النعل؟ فقال: لا قيمة له، فقال(ع): “والله، لهي أحبّ إليّ من إمرتكم هذه، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً”.
أبعاد الثورة والشهادة
وقد انفتح الحسين(ع) على علم أبيه وروحانيته وشجاعته وصلابته وبلاغته، وعلى كل مسؤوليته، ولذلك تجمّعت في الحسين(ع) شخصية رسول الله(ص)، وشخصيات فاطمة وعلي والحسن(ع). ولهذا يروى ـ إن صحّت الرواية ـ عن زينب(ع) عندما استشهد الإمام الحسين(ع)، أنها قالت: “اليوم مات رسول الله، اليوم ماتت أمي فاطمة، اليوم مات أبي علي، اليوم مات أخي الحسن”، لأنها كانت تعيش معه كما لو كانت تعيش مع رسول الله(ص) ومع فاطمة وعلي والحسن(ع).
وفي هذا الموسم العاشورائي ـ أيها الأحبة ـ نحب أن نؤكد بعض النقاط:
النقطة الأولى: هل خرج الحسين(ع) ليستشهد، أي خرج ليُقتَل، أو أنه خرج ليقود؟
يروي خطباء المجالس روايةً، ليست بهذه الوثاقة والدقة، أن الحسين(ع) عندما خرج من مكة قال: “خير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي هذه تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكربةً جوفا”. إن هذا النص يدلّ على أن الحسين(ع) يقول للذين معه، إنني سائر إلى القتل، فكيف يدعوهم إلى السير معه! لكن الحسين(ع) إنّما خرج لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى.
وقد أكد(ع) أنه خرج قائداً وإماماً ومصلحاً وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وعندما خيّر بين إعطاء الشرعية للأمويين، وبين الدخول في المعركة التي تؤدي إلى شهادته، فضّل الشهادة.
لقد كانت مسألة الشهادة ردّ فعلٍ تجاه ما طُلب منه، ولم تكن خياراً انطلق به(ع) من خلال حركته منذ خروجه من مكة، حتى إنني أتحفظ على بيت الشعر المنسوب إلى الإمام الحسين(ع)، والذي يقرأه بعض خطباء المنبر الحسيني: “إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني”، فدين محمد(ص) كان يستقيم بدعوته وبثورته وحركته الإصلاحية، ومن خلال أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، أما القتل والشهادة، فقد كانا من خلال الظروف التي أحاطت بموقفه، عندما رفض القوم الحوار معه، وفرضوا عليه الاعتراف بشرعية الأمويين الذين لا شرعية لهم.
الحسين(ع) لم يخرج استشهادياً، وإن كانت نهاية حركته في الشهادة كأعلى ما تكون الشهادة، بل خرج إماماً ومصلحاً وقائداً: “خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”، حتى إنه خرج مسالماً: “فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين”.
النقطة الثانية: وهي أن الحسين(ع) كان يدرس واقع المسلمين، من خلال سيطرة بني أمية عليه برئاسة يزيد، فكان يرى فيه الفساد، وقد أكد ذلك في بعض كلماته التي قال فيها: “اتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً”. وكان(ع) يرى نفسه مسؤولاً عنه من موقع الإمامة والقيادة، وخصوصاً بعد أن رأى أنهم اتخذوا مال الله دولاً، أي يتادولونه فيما بينهم، فيعطون هذا ويمنعون ذاك، وقد نقل التاريخ أن معاوية عندما أخذ البيعة ليزيد، أراد من بعض أصحابه أن يمسك المال بيد والسيف باليد الأخرى، فمن يبايع يُعط المال ومن لا يبايع فله السيف. وهذا المال كان من مال المسلمين، مما كانوا يجمعونه من الزكاة والفيء وغير ذلك، فكانوا يقرّبون من خلاله من يريدون تقريبه، ويبعّدون من يريدون تبعيده، بينما أراد الله سبحانه لهذا المال أن يوزّع في حاجات المسلمين، وعلى فقرائهم ومساكينهم، وفي قضاياهم الحيوية.
و”عباده خولاً”، أي جعلوا عباد الله عبيداً لهم، وهذا ما نقله لنا التاريخ في وقعة الحُرّة، عندما سيطر يزيد على المدينة بعد استشهاد الإمام الحسين(ع)، إذ كان واليه على المدينة يطلب من الناس أن يبايعوا على أنهم عبيد ليزيد. ونحن نعرف أن الناس كانوا يعيشون الاستعباد بشكل مباشر وغير مباشر، ولذلك أراد الحسين(ع) أن يحرّر الناس، بأن يجعلهم يتمرّدون على هذا الاستعباد الأموي لهم، لأن الله سبحانه وتعالى أراد للناس أن يكونوا أحراراً، ولأن علياً(ع) قال: “لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً”. ولذلك كانت رسالة الحسين(ع) حماية مال المسلمين من السرقة والاغتصاب، وحماية حرية المسلمين من الاستعباد.
مسؤولية الحسين(ع) من موقع الإمامة
وكان الحسين(ع) أميناً على شريعة جده(ص)، وهذا ما عبّر عنه في قوله: “ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر”. ولذلك كان الحسين(ع)، في حركته، ومن موقع إمامته، يريد أن يتحمّل مسؤولية المسلمين في كل قضاياهم، وأن يسير بهم، كما عبّر، بسيرة جدّه وأبيه التي تمثّل الإسلام الأصيل.
وفي ضوء هذا، علينا أن نتمثل الحسين(ع) في مثل هذا الموسم وفي غيره من المواسم، وأن نتحرك من أجل أن يكون الحسين(ع) القدوة لنا في ثورته وإصلاحه وموقعه القيادي، وأن نتعلَّم منه كيف نصبر على التحديات ونواجهها، وأن نتعلم منه كيف نأخذ بأسباب العزة والحرية والكرامة.
أيها الأحبة، عندما نعيش كربلاء، فإننا نتمثّل المأساة كأقسى ما تكون المأساة، ولا نملك في ذكرى الحسين(ع) والصفوة الطيبة من أصحابه، إلا أن نستنـزف دموعنا بشكل طبيعي لا تكلف فيه، وأن نحزن في هذه المأساة حزناً هادئاً عميقاً، ليكون هذا الحزن امتداداً في الزمن، من أجل أن نحزن على كل مأساة تحدث في واقع الإسلام والمسلمين، لا حزن الضعف، بل حزن القوة والانفتاح على المعاني التي ثار الحسين(ع) من أجلها، وأن نعمل على أساس أن نجرّد سيوفنا لنضرب رؤوس الأعداء، سواء كان السيف من هذه الأسلحة المستحدثة أو من غيرها.
إن الحسين(ع) جرّد سيفه ضد أعداء الله سبحانه، وتحوّلت الأمور عندنا أننا نجرّد سيوفنا لنضرب رؤوسنا، ونقول إننا نواسي الإمام الحسين(ع)!!
لقد قلت منذ زمن، إن الذين يواسون الإمام الحسين(ع) هم شباب المقاومة الإسلامية، لأنهم يحاربون أعداء الإسلام وأعداء الأمة وأعداء الله ورسوله بسيوفهم، وينتصرون عليهم، ويستشهدون ويجرحون بسيوفهم. هكذا هي المواساة للإمام الحسين(ع)، أما ما يفعله بعض الناس، سواء في العراق أو إيران أو في لبنان، فهو يمثّل انحرافاً عمّا تمثّله ثورة الإمام الحسين(ع).
لنجرّد سيوفنا ضد الذين يريدون إسقاط عزتنا وحريّتنا وكرامتنا ومصادرة كل أوضاعنا. ولذلك قلنا ونقول ونؤكد في مسألة التطبير: إن التطبير حرام ومعصية، لأنه يشوّه صورة الإسلام، ويضرّ بالإنسان، لأن الإضرار بالجسد محرّم.
إنّ الاحتفال بذكرى الإمام الحسين(ع)، يكون بأن نستعيد مواعظه ونصائحه ومواقفه، وأن نرتفع إلى مستواه، فذلك هو الذي يجعل من كربلاء في مدى الزمن حركةً تتجدد، فيكون لنا في كلّ مرحلة حسين ولو بنسبة(10) في المئة، وزينب ولو بنسبة(10) في المئة، لأننا نريد أن نستمر مع كل الذين انطلقوا من أجل الإسلام كله والأمة كلها.
والسلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى الصفوة الطيبة من أنصاره.