
فيزياء أعجب من الخيال
حساباتنا هي التي تجعل الإلكترون موجوداً:
في ملتقى كوبنهاكن الذي تضمن الوصف النهائي لميكانيك الكم في الثلاثينيات، قال هايزنبرك: (إن حساباتنا هي التي تعطي الوجود للإلكترون) وقد اعترض عليه المختصون وغير المختصون يومذاك بأنك موجود قبل حساباتك!
وكان جوابه أن هذا ما تدل عليه الفيزياء الحديثة.
مبدأ اللادقة وتأثير القياس المجرد على سلوك المادة:
يشير مبدأ اللادقة إلى أن حساباتنا (المجردة) تؤثر في سلوك الجسيمات دون الذرية، فإذا أردنا قياس موقع إلكترون سيتصرف الإلكترون بشكل يتيح لنا قياس دقيق لموقعه، ولكن في نفس الوقت نخسر من الدقة في حساب زخمه، وإذا أردنا قياس الزخم فسيتصرف الإلكترون بشكل يتيح لنا قياساً دقيقاً للزخم ولكن سنفقد الدقة في قياس الموقع، ففي ميكانيك الكم لم يعد (أ) × (ب) = (ب) × (أ).
وهذه النتيجة الغريبة قد تجعل حتى المختصين يراهنون بكل ما لديهم لرفضها، يقول أنشتاين في إحدى رسائله: أفضّل أن أكون إسكافياً على أن أكون فيزيائياً إذا كان الوعي يؤثر على سلوك المادة.
الطبيعة يتغير تصرفها وفق ما نطور من أساليب التفسير:
يقول ستيفن هوكنك في كتابه (التصميم العظيم): (في أول ألفي عام أو نحو ذلك من التفكير العلمي كان الحدس والتجارب العلمية العادية هما أسس التفسير النظري، ومع تحسّن التكنولوجيا واتساع نطاق الظواهر التي يمكننا ملاحظتها، بدأنا نجد أن الطبيعة تتصرف بطرق أقل وأقل تماشياً مع تجاربنا اليومية وبالتالي مع حدسنا).
أي أن الطبيعة كانت تتصرف بشكل أكثر حرية مع الحدس الذي كنا نستعمله للتفسير لأنه غير دقيق، أما اليوم فمع دقة حساباتنا صارت الطبيعة تتخذ طرقاً محددة وأقل حرية من التصرف بما يلائم حساباتنا.
وهذه نفس مقولة أننا نحن الذين وسّعنا الكون بتعقيد حساباتنا، أو نظرية الأكوان المتوازية التي تقول أننا نخلق أكواناً متعددة مع كل لحظة نتوقف فيها بين عدة خيارات متنوعة فنخلق عوالم بعدد تلك الخيارات.
وبحسب ميكانيك الكم فلا يمكن التنبؤ بموقع الإلكترون وزخمه في نفس اللحظة فواقع الإلكترون الآني مجهول.
ولكن يذهب العلماء إلى أكثر من ذلك، فالماضي أيضاً قد يكون مجهولاً ويتحدد حين القياس! بل والقوانين التي يتصرف بها الكون.
يقول هوكنك في المصدر السابق: (إن ميكانيكا الكم تمنحنا إطاراً لفهم كيفية عمل الطبيعة على المستوى الذري وما تحت الذري، ولكنها ..تملي علينا مخططاً يكون فيه موضع الشيء ومساره، وحتى ماضيه ومستقبله غير محدد بدقة. ونظريات الكم لقوى كالجاذبية أو الكهرومغناطيسية تكون متضمنة داخل هذا الإطار). وإذا فهمنا أن من الممكن أن تكون خصائص الشيء الآن مجهولة، ولكن ما معنى أن يكون ماضيه غير محدد أيضا؟
إنه لا يعني أن الماضي غير محدد بمعنى مجهول، بل لأنه لم يوجد قبل القياس أيضاً وأن القياس قد يغير الماضي أيضاً.
وهذه نتيجة من لوازم الكم أعجب بكثير مما قاله بعض العلماء من أننا بتعقيدنا لقياساتنا قمنا بتوسيع الكون، وأعجب ممن قال أننا نخلق أكواناً متوازية في لحظات خياراتنا.
ومن الطبيعي أن يعترض الفكر المبتني على الحس الظاهري على هذه النتائج، ولكن سيكون الجواب التقليدي أن رفض هذه الأفكار يستلزم رفض كل معطيات ميكانيك الكم والتقنيات المبتنية عليه.
والفائدة من ذكر هذه الكلمات هنا لكي تتفتح أذهاننا ولا ننغلق على حسياتنا فنقتصر على ظاهر هذا العالم.. فهذه كلمات علماء الفيزياء مع ما هم فيه من التشدد في القياس والحساب والاقتصار على الإثبات التجريبي والقياس الرياضي.
وإذا كان عالم الظاهر بهذه العجائب فكيف بعالم الملكوت والآخرة؟
فهل يملك الإنسان أن ينكر ما لا يراه بعد اليوم؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أكثر العلم في ما تنكرون).