
دور بيت الحكمة في تشكيل الفلسفة العربية
عن دار توبقال في المغرب صدر مؤخراً كتاب الباحثة (كريستينا دانكونا كوسطا)، التي تعمل في (جامعة بيزا) الإيطالية كأستاذة متخصصة بالفلسفة الإسلامية، (بيت الحكمة.. الميتافيزيقا اليونانية وتشكيل الفلسفة العربية)، وهو كتاب صدر باللغة الإيطالية في العام 1995 بينما صدرت ترجمته التي نهض بها الدكتور عصام مرجاني في العام 2014، وهو العام الذي كتبت فيه كوسطا تقديماً للترجمة العربية.
يتألف الكتاب من تمهيد وأربعة فصول، ويصب في مجمله على استقراء الكيفيات التي تم بها انتقال مباحث الميتافيزيقا اليونانية إلى الفكر العربي مطلع القرن الثاني الهجري، بل ومباحث المعرفة الفلسفية والعلمية اليونانية عبر مشارب متعدِّدة إلى مدينة الحيرة، ومن ثم الكوفة، والبصرة تالياً، وصولا إلى بغداد حيث (بيت الحكمة).
إلى تاريخ التواصل العلمي وتشكيل المعرفة العلمية- الفلسفية تنصرف المؤلفة في الفصل الأول لتنطلق من الفيلسوف أبي الحسن العامري الذي دافع عن الحكمة الفلسفية ضد أولئك الذين يشكِّكون فيها كونها تنافي الحكمة الإيمانية الدينية.
وتمر على دور الفيلسوف الكندي الذي فتح أفقاً باكراً في الدفاع عن الفلسفة، لكنها تعول على بدايات الترجمات لنصوص معرفة الآخر العلمية التي بدأت منذ النصف الثاني للقرن الأول الهجري حيث ترجمة علوم الكيمياء، لتتوقف في التفاتة نادرة عند نص الفارابي المفقود (ظهور الفلسفة) الذي يؤرخ لجذور الفلسفة في المشرق العربي، ناهيك عن دور المؤرخ المسعودي في تقديم صورة لبدايات نشأة المعارف الفلسفية في الشرق.
وفي الفصل الثاني تستقرئ المؤلفة عمليات انتقال العيون الفلسفية الميتافيزيقية واللاهوتية اليونانية إلى العربية حتى تغور في تفاصيل أوراق التاريخ الثقافي العربي الإسلامي مثل انتقال تراث أفـــــــــــــلاطون وأرسطوطــــــاليس والإسكندر الأفــــروديسي وأفــــــلوطين والأفــــــــلاطونيين
المحدثين.
وهو فصل في غاية الأهمية كونه يتابع دور المترجمين من اليونانية إلى السريانية فالعربية مثل ابن ناعمة الحمصي، وأسطاث، ويحيى بن عدي، ومتى بن يونس القنائي، وأبي بشر متى بن يونس، وغيرهم.
من العام إلى الخاص حيث تدرس المؤلفة مظاهر استيعاب الأفكار اليونانية عن المبدأ الأول والحقائق الحسية عبر كتاب (العلل) أو بعنوان آخر كتاب بروقليس (القول في الخير المحض)، وعبر كتابات الكندي والعامري والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد.
وفي فصل أخير لافت تتوقف المؤلفة عند انتقال الأعمال اللاهوتية الميتافيزيقية الهلنستية العربية إلى العالم اللاتيني عبر الأندلس التي شهدت فصولا من التعايش والنزاع بين الثقافات والمعارف والحضارات خصوصا في (طليطلة) القرن الثاني عشر الميلادي، التي كانت مكانا للالتقاء المميز بين العلم اللاتيني والثقافة العربية والعبرية حتى تلقى نشاط المترجمين مساعدات خاصة من جانب المطران رايموند
سوفيتات.
وكذلك الدور الكبير الذي لاقته عملية التواصل من جانب الفيلسوف اليهودي إبراهيم بن داود. يكشف هذا الفصل الدور الكبير الذي لعبته مؤلفات العرب الفلسفية عبر قرون عدة في الثقافة اللاتينية والأوروبية والغربية تالياً، لاسيما أنها مارست فعلاً معرفياً بالتواصل بين أصول المعرفية الفلسفية اليونانية القديمة وفروعها الحديثة.