
سياسة التجهيل … افيون الشعوب
الجهالة والجاهلية حالة من الجمود والتغييب العقلي ، وهذه الحالة لا تعني بالضرورة انعدام الوعي او تنامي نسبة الامية في المجتمع ، فالجهالة والوعي ليس هما اصطلاحان متضادان ومتقابلان ، بمعنى اننا لا نفهم من الوعي، المخزون المعلوماتي في العقل البشري، وبالتالي سنفهم من الجهالة انعدام ذلك المخزون ، بل الموضوع ابعد من ذلك بكثير ، الموضوع في الجهالة يعتمد عادات وتقاليد مغلوطة مع عناصر الموروث الاجتماعي لمجتمع بدائي، واعتبارها مجال فكري لا يمكن تعدي حدوده .
البشرية ونشأتها البدائية حتمت التطور التدريجي لها عبر مراحل تكوينية ، فعند تجاوز مرحلة زمانية من التطور يحمل الى المرحلة اللاحقة بعض السلوكيات التي تعبر عن الفهم الساذج لذلك الاوان ، وهذا ما نسميه الموروث الاجتماعي لمجتمعات بدائية ، فتارة يكون هذا الامتداد لهذه السلوكيات والعادات بتأثير ومسبب خارجي ، وتارة اخرى بسبب النقل الشخصي الاجتماعي والابتداع بتضخيم الحدث وصولا لكينونته الاسطورية .
على امتداد التاريخ ، لم يكن خافياً أن التيار النقلي هو حليف السلطة المستبدة التي لا ترضى بما دون الطاعة العمياء ، مقابل التيار العقلي المستعصي على الضبط والتطويع ؛ بسبب حرية الأفكار التي تستدعي (ولا تشرعن فقط) حرية السلوك ضمن المنطقية المعقولة .
ما جرى في التاريخ من تغييب للعقل ، لم يكن إلا سياسة تجهيل متعمدة ، سياسة تضافرت فيها إرادة السلطة الواعية مع عناصر الموروث الاجتماعي لمجتمع بدائي ، مجتمع لم يزل بعد يحبو في طريق الانفتاح على الآخر ولو غازياً ، وذلك عندما قادته الفتوحات العسكرية إلى حتمية الانفتاح .
جعلت هذه السلطة من الانسان التقليدي افكاره هي قدره المحدد مسبقا ولا خيار له فيها، فعدوا له منطقه الساذج الذي يرفض العقل (هذا ما وجدنا عليه اباؤنا) واصبح هذا المنطق قانون باطني داخل الانسان وان كان في بعض الامور يرفضه بالمنطق الخارجي الا انه وفي الان ذاته لا يستطيع مغادرته برسم خطوط لا يستطيع تجاوزها بعقله المبني على تلك القوانين الباطنية ، على ان نعلم ان هذ الحواجز والخطوط بحاجة الى صعقة كاشفة وقد تكون هذه الصعقة في اية لحظة من مسير حياته ، بحيث ينتقل في التفكير بأسلوب وافق اخرين .
كما ان علاقة الانسان التقليدي بافكاره تكون عنصرية مثلما هو الحال في القبائلي بقبيلته التي تناسل منها قدرا، فهو عنصري بنسبه وهذا عنصري بافكاره، وفي تصور الإنسان التقليدي ، (نسب الأفكار) كما هو (نسب الأعراق) ، كلاهما بالضرورة مُقدّس فلا يمس ، وصحيح فلا يُختبر ، ومُتفوق فلا ينافس .
الإنسان في سياق التقليد ، هو الإنسان الذي يُحتّم عليه سياق الوراثة (وراثة الفكر = ووراثة النسب) الإيمان بفرضيات الصحة والتفوق ، كفرضيات أولية غير قابلة للنقاش ، فضلا عن أن تكون قابلة للفحص والاختبار ومحاولة كشف الأوهام السائدة هنا أو هناك .
كما ان افكار الانسان التقليدي تطفلية ، فهو يعيش على افكار الاخرين ولا يملك افق فكري، وهذا الامر استغل افضل استغلال من قبل من يهتم بنشر الجهالة عبر سياسة التجهيل .
ان المنظومة الفكرية للعلماء والامراء (الامراء بمعنى الأكاديمية السياسية) هي المصدر الاساسي للإنسان التقليدي في افكاره فهو يعتاش عليها بشكل يومي بكينونة القانون النفسي لديه بان العلماء يتمثلون بالكهنة والامراء يمثلون الالهة .
وسياسة التجهيل بثت للمجتمع بانصياع الاوامر المخلفة للعقل ، وعن طريق اعتماد الاساطير والتقاليد ، وبالتالي تصوير الدين الاسلامي بانه دين الاسطورة الذي لا يملك الحلول التي تنسجم والتطور العلمي والحضاري الحالي .
كل فكرة دينية اساسية بالامكان اعتماد سنوات لقتل هذه الفكرة وتسخيفها ، او لبيان مضادها ، ففكرة الدين والسياسة متلازمان لا انفصال بينهما ، بات من الواضح انها قتلت بخنجر العلماء والامراء، فالتوجه الديني التقليدي والكلاسيكي يدعم التوجه السياسي المنسجم معه ايديولوجيا، للوصول الى الحكم في ادارة الدولة ، مع تربص المجتمع ، وبالنتيجة مزيد من السياسات الفاشلة ومزيد من الفساد بصنفيه المالي والاداري، خلف الكثير من المشاكل، بالتالي ضرب هذه الركيزة الاساسية في الدين (تدخل الدين بالسياسة) ، ما ادى الى تجهيل المجتمع بحقيقة الدين، وقد تكرر هذا المشهد في اكثر الدول تأثيرا في الشرق الاوسط.
والفكرة الاخرى (النظرية والتطبيق) فقد ادلج المجتمع بفشل الاسلام كنظرية نتيجة لفشل الاسلام كتطبيق ، حال تسلم الاحزاب الاسلامية وفشلهم في ادارة الدولة في بعض الدول العربية ، وهذا الوهم سرعان ما سرى واصبح رأيا عاما ، ولم توجه الاكاديمية الدينية او السياسية العليا! لخلق راي عام بان التطبيق لا يمثل بالضرورة النظرية ، والفجوة بين النظرية والتطبيق، تلك الفجوة التي تكون متاهات الواقع وتذيب النظريات عند تطبيقها، عند بدء تدخل النفس البشرية بجموحها وشهواتها وحدود ادراكها .
قتل الاسلام بسيف جده ، فالقاتل اسلام دين التطبيق ، والمقتول اسلام دين النظرية، بمستوى تخطيطي عالي ، ورسم منهجية الحدث خلف الكواليس ، فاصبح الدين سيف غربي ينتقم به وينتقم منه، ومعركة كان سلاحها التجهيل ومعداتها التخلف والموروث الفكري ، وقادتها اعظم رموز المجتمع ، العلماء والامراء، عنصري الفساد والاخلاق .
ومن جانب اخر من هذه المواجهة الحضارية، وبأبعاد نسبية بطبيعة الحال، يتم استغلال ضعف الراي الديني والسياسي ، بتنمية توجهات لا دينية ليبرالية وعلمانية والحادية ، واخرى حداثوية، تنطلق بفهم كسر القيود والاغلال الفكرية بينما في الاصل تجد هذه التوجهات تخضع لنفس القيود والاغلال (فكرية) ، فلم نشم روح التجديد في هذه الاكاديميات ، سوى بعض الافكار المنفردة والمعتمد في تنظيرها من بعض الفطاحل والاعلام الاسلامية، واكثرهم تلمس روح اشكاليته مع الله ليس الا، ومحور فكره يدور حول هذا الموضوع ( الله والانسان) ، وبهذا الفهم يكون هذا البعض منهم قد سقط في فخ سياسة التجهيل .
جميع الاكاديميات الفقيرة فكريا ، دينية وسياسية ، خارجية وداخلية ، تعتبر المُشرّع البيولوجي والاجتماعي للتقليد الراسخ، وتمركز محور دعوتها على تدجين المجتمع بممارسة سياسة التجهيل عبر اداتي التجهيل .
الاداة الاولى : الموروث الفكري الساذج من تقاليد وعادات واساطير وخرافات بلباس ديني، فخلق شباب تؤمن (بالطنطل!!) و (الحرز!!) و (الجن!!) واعتماد الابراج في سير الحياة (تراه لا يقدم لاي عمل الا بعد قراءة برج اليوم!!، مهزلة وانحطاط فكري)، او النظرية العقائدية لنهاية البشرية ، والسؤال ما الفهم الدارج لعقيدة المنتظر الموعود؟؟ وتتسلسل علينا الاجوبة العجيبة ، (لما يظهر تتوقف جميع الاسلحة!!) ، او (العلم الان درجة واحدة ولما يظهر يأتي بــ 23 درجة ) ، او (لما يظهر يقتل الظالمين وكأننا في مجزرة !!) أي قائد رحمة تنتظرون ؟! ، وفي لحظات الانصات لاحد الخطباء تشعر بان ذلك المنتظر هو شخصية كارتونية من عالم الافلام الكارتونية (ساسوكي، خماسي، غريندايزر…..) وحاشا للامام (عليه افضل الصلاة والسلام) من هذا الوصف والمكانة التي جعلوه فيها .
وقد استغل المنبر الديني في توجيه ظاهرة اللجوء للموروث وبناء الاساطير ايما استغلال، والسبب في ذلك يعود لتلك السياسة الرعناء (سياسة التجهيل) التي تتبعها المؤسسة الدينية العليا ، لعلمها اليقيني بان البشرية ان وعت فستستبدلهم بمن يمثل طموحهم وافقهم الفكري الواعي ، البعيد عن الايمان بالطنطل! وقد اعدها كارثة، وانحطاط فكري، وجاهلية رهيبة لما شاب وخريج جامعي يؤمن بالطنطل! .
فالمؤسسة الدينية العليا لا تمتلك مقومات التربية للمجتمع ، و بالاحرى المجتمع لا يرى فيها المقومات الفكرية والحصن العقائدي المنيع للفتن، فهي (المؤسسة الدينية العليا) تعتبر احد اهم اسباب لجوء المجتمع للاساطير والخرافات، فكيف تكون حصن منيع للفتن مع انعدام أي نتاج فكري لها يستلهم الشباب منه الثقافة والوعي؟ والاكتفاء بالتقديس وصناعة الهالة حولها ، فأصبحت مرجعية لتقبيل اليد، ومرجعية اخرى للسلاح والمقاومة (سلاح التجهيل) ، واستجداء العواطف الجياشة للشباب، ولعله سيتضح عجز هذه المؤسسة للوهلة الاولى عند النظر اليها بالعقل المنطقي والمعنوي المجرد من القيود (القيد النسبي، القيد التقديسي، القيد الاعلامي) .
الاداة الثانية : عرض النظرية الدينية بشخصيتها الهشة المتمثلة بالمؤسسة الدينية العليا ، بانها الممثل الوحيد والاكمل للهوية الاسلامية ، وبالتالي ضرب هذه الهوية يكون من ايسر الامور كما ذكرنا سابقا، عن طريق دعم للسياسات الاسلاموية وفشلها (النظرية والتطبيق) او (فصل الدين عن السياسة) ، وبذلك يتكور المبرر لدى الايديولوجيات اللا دينية لقيادة السلطة .
جدلية الدور التوعوي والتجهيلي بين تشابك الاحداث المتسارع والمتنامي بهذا الشكل، يوحي لنا بقيمة المواجهة الحضارية الحاصلة الان بين الشرقي والغربي ، التجهيلي والتوعوي، حتى اصبحت داخل الايديولوجيا الواحدة ، حيث اصبح العراق ساحة لهذه المواجهة الفاصلة في التاريخ والتي لعلها سوف تحدد معالم حركة التأريخ في المستقبل ، فقد ورد عن مالك بن ضمرة ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام ((يا مالك بن ضمرة ، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ـ وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض – ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما عند ذلك من خير ؟ قال: الخير كله عند ذلك يا مالك ، عند ذلك يقوم قائمنا ).
وما نستشمه من قول الصادق (ع) ان كل المواجهات الفاصلة في التأريخ يأتي بعدها فتح مبين، فلو استنطقنا التأريخ لأجابنا بيوم الخندق الفاصل بين الاسلام ونظيره الكافر به وبمعتقداته، فاجتماع الجيوش والقبائل كان كفيلا بالقضاء على الاسلام منذ تلك النشأة الاولى حسب الظاهر، لو لا ان فتح الله لهم ، بعد نجاحهم واستحقاقهم لذلك الفتح، ويوم بدر كذلك، ويوم الطف اوضح تلك المعالم التي لم يستحقها من تخلف عن الحسين حسب قوله (ع) : (من لم يلحق بنا لم يدركه الفتح) .
ورد في الحديث الشريف (اثنان اذا صلحا صلح الناس واذا فسدا فسد الناس: العلماء والامراء) وقد بين المرجع اليعقوبي بواحدة من ابداعاته باننا نفهم من الحديث ان العلماء والامراء ، منهم ينطلق الفساد ومنهم ينطلق الاصلاح، بمعنى الاصلاح يأتي من ذات المؤسسة المفسدة، بعد تنقيتها من الادران ، ونفهم ايضا ان الاصلاح ينطلق من منظور ديني وسياسي معا، فهل هذا يعني ان الدولة العالمية ستنطلق بقيادة سياسية ومنظور ديني؟
وقد ورد عنهم (ع) اكثروا من الدعاء فان في ذلك فرجكم، ونفهم من الاكثار من الدعاء العودة الى الله وتطبيق احكامه وسننه، ويبدوا عندها واضحا ان الحكم الالهي هو المصدر الوحيد لنجاة المجتمع .
واخيرا طوبى لمن ادى دوره في هذه المواجهة الحضارية الفاصلة ، وتمسك بالحقيقة كما هي، عن الإمام الصادق (عليه السلام : (طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية .