
كيف نعيش شهر الله تعالى
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة : 185]. عندما ندخل في هذه الفترة الزّمنيّة وهي شهر رمضان فلا بدّ من أن نعيش في رحابه بالطّريقة التي ترتفع فيها روحانيّتُنا التي تجعلنا في مواقع القرب من الله، بحيث نشعر بقربنا من الله أكثر. والقرب من الله ليس قرب المكان، فالله فوق المكان والزمان ولكنّه قرب العقل من الله، بحيث يرتفع العقل فلا ينتج إلا الفكر الذي يحبّه الله ويرضاه، فلا ينتج فكر الشرّ ولا فكر الجريمة ولا فكر الظّلم، بل ينتج فكر الخير وفكر السّير في ما ينفع النّاس وفيما يجعلهم في المستوى الأعلى في الحياة، وهكذا نعمل على أن يكون القلب في مواقع القرب من الله، باعتبار أنّ للقلب نبضاته وخفقاته وأحاسيسه، فلا بدّ لنا من أن نراقب قلوبنا وأن نطرد منها كلّ نبضات البغضاء والحقد والعداوة، ونفتح فيها للصّفاء أفقاً، وللمحبّة ساحةً، وللرّحمة للناس مجالاً.
وهكذا، أن نوظّف كلّ أعضائنا في طاعة الله لنكون القريبين من الله بأجسادنا كما نكون القريبين من الله بأرواحنا، والقرب في الجسد هو أن توظّف الجسد في طاعة الله في كلّ ما أراد الله لنا أن نتعبّد من صلاةٍ وصومٍ ودعاءٍ وسجودٍ، وهكذا أن نحرّك أيدينا لنستخدمها في حركة النّفع للنّاس لنتصدّق بأيدينا، لأنّ الصّدقة كما ورد في بعض الأحاديث أنّها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، ولأنّ الصّدقة تدفع البلاء، ولأنّهاقد تتدخّل في معالجة المرض “داووا مرضاكم بالصّدقة”.علينا أن نجعل أيدينا لا تتحرّك بإيذاء النّاس، أن لا تضرب بيديك إنساناً دون وجه حقّ، أن لا تضرب الضّعفاء الذين هم تحت سلطتك، لا تضرب زوجتك بدون حقّ، لا تضرب أولادك الصّغار انطلاقاً من العقدة النفسيّة التي قد تعيش في داخل نفسك، لا تضرب النّاس الضّعفاء من خلال ما تملكه من القوّة، وأن لا تمشيَ برجليك إلى هدفٍ لا يرضاه الله، ولا تتحرّك برجليك إلى مشروعٍ يُراد منه الإغرار بالنّاس ويُراد منه مواجهة قضايا النّاس بطريقةٍ سلبيّة.
أن لا تستخدم بعض الأعضاء التي تنتج الحركة الغريزة في الحرام من الغرائز والشّهوات، وأن لا تحرِّك لسانك فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى. وهكذا، أن تنطلق في طاقاتك لتكون قريباً من الله، فإذا رزقك الله عِلماً- أيَّ علمٍ كان- فعليك أن تبذله للنّاس بما ينفعهم، وعليك أن لا تستخدمه في طريق الشّر وفي طريق الضّرر، فإنّ العِلم أمانة الله لدى الإنسان وعليه أن يبذله من أجل الصّلاح والإصلاح ومن أجل مواجهة كلّ شر، وقد ورد في الحديث أنّه إذا ظهرت البدع وهي الأفكار التي تُضادُّ الإسلام، فعلى العالِم- كل عالِم- أن يُظهر علمه أن لا يبقى في بيته ينتظر من يسأله بل أن ينطلق إلى ساحات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإلى ساحات المواجهة للبدع وللأفكار الكافرة، على العالِم أن يُظهر علمه ومن لم يفعل- يقولها رسول الله – فعليه لعنة الله،{إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَاأَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِمَابَيَّنَّاهُلِلنَّاسِفِيالْكِتَابِأُولَـئِكَيَلعَنُهُمُاللّهُوَيَلْعَنُهُمُاللَّاعِنُونَ} [البقرة : 159].
إنّ الله سبحانه وتعالى، لم يأخذ على الجهّال أن يتعلّموا أي كما أنّه يريد للجاهل أن يتعلّم فقد فرض على العلماء أن يُعلّموا، لذلك علينا أن نشجّع ونقدّر كلّ العلماء الذين يبذلون علمهم للنّاس من أجل الإصلاح تماماً كما كان الإمام الحسين(عليه السلام).. فما الذي يختصر حركة الإمام الحسين(عليه السلام)؟ تختصرها هذه الكلمة “إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”، فقد خرج من أجل أن يصلح الواقع الفاسد الذي تحرّك به بنو أميّة الذين استغلّوا مال الأمّة واتّخذوا مال الله دُوَلا(أي تداولوه بينهم) وعباده خِوَلا(أي استعبدوا النّاس)، أراد أن يُعطي الحريّة للنّاس ويرفع عنهم العبوديّة،وأن يصلح تفكيرهم لِيكون تفكير الحقّ لا الباطل، وأن يصلح مشاعرهم وأحاسيسهم لتكون مشاعرهم مشاعر المحبّة والرّحمة والخير، وليصلح علاقاتهم لِتكون مبنيّةً على العدل لا على الجور، وليرتفع بنفوسهم ليكونوا الأعزّاء الذين لا يعطون بأيديهم إعطاء الذّليل ولا يقرّون إقرار العبيد. من أحبَّ الحسينَ فعليه أن يحبّ حركتَه ويقتدي بالقيَم التي أطلقها الحسينُ(عليه السّلام)، أمّا الذي يتحرّك في خطّ الفساد ويؤيّد الباطل الذي يستخدمه هؤلاء الذين هم في خطّ بني أميّة فهم أعداء الحسين(عليه السّلام) حتّى لو صرخوا وبكوا وضربوا رؤوسهم بالسّيوف وظهورهم بالسّياط، القضيّة هي قضيّة “خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي”، خرجت لأكون حركةً من أجل العزّة التي أرادها الله للمؤمنين كما أرادها لنفسه ولرسوله.
لذلك أيّها الأحبة، أن تدخل شهر رمضان أي أن تفرّغ عقلك فلا يكون فيه إلا الله، وأن تفرّغ قلبك فلا يكون فيه إلا الله، وأن تحرّك جسدك فلا يتحرّك إلا في اتّجاه الله. المسألة هي أنّنا من خلال إسلامنا ننطلق لتوحيد الله، “لا إله إلا الله”، فكلّ من هو عدا الله هو مألوهٌ وليس إلهاً، والتّوحيد هو أن لا يكون في كلّ وجودك وفي كلّ كيانك وفي كلّ عقلك وفي كلّ قلبك إلا الله، قال الله تعالى:{وَأَنَّالْمَسَاجِدَلِلَّهِفَلَاتَدْعُوامَعَاللَّهِأَحَدا}ً [الجن:18]، لذلك فإنّنا نرفض كلّ الذين يملأون المساجد بالصّور,إن كانت صُور زعماء أو علماء أو مجاهدين. ليس هناك في المسجد غير الله سبحانه وتعالى، حتّى أنّنا عندما نريد أن نستمع إلى النّاس –الخطباء- هناك حديث يقول إنّ طريقة الانجذاب إلى الخطيب هي نوعٌ من أنواع العبادة، فما هي تلك العبادة؟ العبادة هي أن تستغرق في الشّخص وتنجذب إليه وتذوب في كلامه “مَن أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان النّاطق يؤدّي عن الله فقد عبد الله”، لأنّك لا تصغي إليه كشخصإنّما إلى كلامه فإن كان كلامه كلام الله فأنت إذاً تعبد الله بانجذابك إليه، وإن كان النّاطق يؤدّي عن الشّيطان، يؤيّد المستكبرين والمجرمين والزعماء، فقد عبد الشّيطان. بعض النّاس عندما يخطبون ويؤيّدون مَن لا يجوز تأييده يجعلون النّاس يعبدون الشّيطان لأنّ الذين يتحدّثون عنهم هم من شياطين الإنس، حتّى أنّنا عندما ننفتح على الأنبياء فالأنبياء هم عباد الله لا يصعدون إلى درجة الله حيث إنّنا نقول في التّشهّد “وأشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه” فالأنبياء عبيد الله، والأئمّة عبيد الله لا يملكون لأمرهم نفعاً ولا ضرّاً إلا بالله، ليس لديهم قدرات فوق العادة إلا من خلال بعض الأمور التي يريد الله سبحانه وتعالى لهم في عالم المعجزة أو بعض الكرامات أو ما أشبه ذلك، والملائكة أيضاً هم عباد {عِبَادٌمُّكْرَمُونَلَايَسْبِقُونَهُبِالْقَوْلِوَهُمبِأَمْرِهِيَعْمَلُونَ}[الأنبياء 26-27].
علينا أن نقوم في عمليّة تفريغ كلّ كياننا من كلّ شيطنة ومن كلّ شيطان ومن كلّ وسوسات الشّيطان ومن كلّ خطوات الشّيطان ومن كلّ حِيَل الشّيطان، فلا يكون هناك في نفوسنا إلا الله، وعلينا أن نستعدَّ لذلك.. والحمد لله ربّ العالَمين.