
الصدق والأمانة عنوان الشخصية الإسلامية
صفتان من الصفات التي ترتفع بأخلاقية الإنسان تجعلانه أميناً على الحقيقة، وعلى الناس والحياة، وهما الصفتان اللتان مثّلتا المعنى الذي كان يعيشه رسول الله (ص) قبل النبوّة وبعدها، حتى غلبتا على اسمه، وهما: الصدق والأمانة، ما جعل قريشاً عندما تتحدث عنه تقول: “جاء الصادق الأمين”.
الصدق انفتاح وإخلاص للحقيقة
وهاتان الصفتان تمثِّلان الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات، لأن مسألة الصدق هي مسألة الانفتاح والإخلاص للحقيقة، في كل المواقف والأشياء، فالصدق هو انفتاحك على الله تعالى في كل كيانك، فتكون صادقاً مع الله، والصدق مع الله هو السير معه سبحانه في كل ما يرضاه ويحبّه، وأن تكون صادقاً مع نفسك فلا تكذب عليها ولا تغشّها، وأن تكون صادقاً مع الناس كلهم، بقطع النظر عن طبيعة هؤلاء الناس، كافراً كان الإنسان أو مسلماً، فلا فرق في الصدق بين الصدق مع الفاسق ومع العادل ـ لأن قضية الصدق والكذب ليست مربوطة بالآخرين، بل هي مربوطة بمصداقيتك لنفسك، فالصدق هو أنت في ما تنفتح به على الحقيقة، والكذب هو أنت في ما تغشّ به الحقيقة.
الأمانة مسؤولية
وقضية الأمانة تمثل المسؤولية، سواء في المال الذي يودع عندك، أو في العمل الذي يوكل إليك، أو في الوظيفة التي تتحمّل مسؤوليتها، أو في الحكم الذي تتحمّل كل موارده ومصادره، أو في التكاليف التي حمّلك الله تعالى إياها كأمانة، وذلك هو قوله تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنّها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}.
لذلك، فإن الأمانة لا تقتصر على أمانة المال، بل تمتد إلى كل مسؤولياتك التي أودعها الله تعالى أو الناس عندك، مالاً أو وظيفة أو تكليفاً. فالإنسان إذا صدق مع الله ومع الناس ومع نفسه، استطاع أن يجعل الحياة من داخل نفسه وخارجها تتحرك مع الحقيقة ولا تقترب من الباطل والكذب والزيف والغش والخداع، وهكذا إذا أخذ بالأمانة، فإنه يكون المؤتمن على كل حركة الحياة في مسؤولياتها وحقوقها وواجباتها.
الصدق والأمانة من سمات الأنبياء
وقد حضّ الله تعالى على تأدية الأمانة إلى أهلها، وهذا ما أكّده القرآن والأحاديث الواردة عن النبي(ص) وعن الأئمة من أهل البيت(ع). فعن الإمام الصادق (ع) قال: “إن الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر”، فهاتان القيمتان الأخلاقيتان هما العنوان الكبير لكل الرسالات، لأن الصدق والأمانة يبنيان العلاقة مع الله ومع الناس، ويعمّران الدنيا، ويعطيان الحياة امتداداً وقوةً وانفتاحاً.
وفي الحديث عنه (ع) وهو يتحدث كيف نقوّم الإنسان، هل هو مؤمن أم غير مؤمن، ما هو المقياس؟ بعض الناس قد يرى أن المقياس أن نذهب إلى المسجد لنراه في صلاته أو في حجّه أو صومه وما إلى ذلك، من دون أن يخضع للاختبار في حركة الحياة، في بيته ومجتمعه ومواقع المسؤولية. يقول الإمام الصادق (ع): “لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش ـ بحيث أصبحت العبادة من صلاة وصوم عادةً اعتادها منذ صغره ـ ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة”، راقبوه في بيته وفي السوق وفي المجتمع، هل إذا حدّث صدق وإذا ائتُمن أدّى الأمانة أم لا.. وقد ورد: “لا دين لمن لا أمانة له ولو صام وصلّى”.
الصدق زكاة الأعمال
وعن الإمام الصادق (ع) قال: “من صدق لسانه زكا عمله”. وكان الأئمة من أهل البيت(ع) يوصون الأشخاص الذي يأتون إليهم لينقلوا أحاديثهم ويروون الروايات عنهم، فيقولون (ع): “تعلّموا الصدق قبل الحديث”. وفي حديث بعض أصحاب الإمام الصادق(ع) وكنيته “أبو كهمس” قال: قلت لأبي عبد الله (ع): “عبد الله بن أبي يعفور” يقرئك السلام، قال(ع): “عليك وعليه السلام، إذا أتيت عبد الله فأقرئه السلام وقل له: إن جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به عليّ عند رسول الله فالزمه، فإن عليّاً إنما بلغ ما بلغ به عند رسول الله (ص) بصدق الحديث وأداء الأمانة”، انظر ما هي درجة عليّ (ع) عند رسول الله(ص)، لماذا أحبَّه هذا الحب وقرّبه إليه إلى هذه الدرجة؟ لأنه كان صادق الحديث ومؤدياً للأمانة، وكأنه (ع) يقول: إن قيمتك عندي هي بالتزامك صدق الحديث وأداء الأمانة، تماماً كما كان عليّ (ع) عند رسول الله(ص).
وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع) قال لبعض أصحابه وهو “فضيل بن يسار”: “يا فضيل، إن الصادق أول من يصدّقه الله عزّ وجلّ يعلم أنه صادق ـ إن الله يطّلع عليك عندما تتحدث، فإذا تحدثت بالصدق فإن الله من فوق عرشه يقول لك: صدقت يا فلان ـ وتصدّقه نفسه تعلم أنه صادق”، فلا تتطلع في حديثك هل إن الناس يصدّقونك أم لا، بل تتطلّع هل أنت صادق عند نفسك وعند الله.. وعن الإمام الصادق (ع) يقول: “إنما سُمّي النبي إسماعيل صادق الوعد لأنه وعد رجلاً في مكان ـ من دون أن يحدد له وقتاً ـ فانتظره في ذلك المكان سنة، فسمّاه الله عزّ وجلّ “صادق الوعد”، ثم قال: “إن الرجل أتاه بعد ذلك، فقال له إسماعيل: ما زلت منتظراً لك منذ سنة”.
الدعوة من خلال القدوة
وعن الإمام الباقر(ع) قال: “إن الرجل ليصدق حتى يكتبه الله صدّيقاً”، وفي حديث الإمام الصادق (ع) يقول: “إن العبد ليصدق حتى يُكتب عند الله من الصادقين، ويكذب حتى يُكتب عند الله من الكاذبين، فإذا صدق قال الله عزّ وجلّ: صدق وبرّ، وإذا كذب قال الله عزّ وجلّ: “كذب وفجر”. ويقول (ع) وهو يتوجه للوعاظ والخطباء والعلماء والمؤمنين جميعاً، إذا أردتم أن تكونوا دعاةً للإسلام، فلا تقتصروا على الدعوة باللسان، بل من خلال القدوة، يقول (ع): “كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد ـ في طاعة الله ـ والصدق ـ في الحديث ـ والورع”، عن محارم الله تعالى.
إن الصدق في الحديث والوعد والعمل يمثِّل الخط المستقيم الذي إذا تحرك الناس معه فإنهم يشعرون بالاستقرار والطمأنينة، بينما إذا تحدث الناس بالكذب فإن الكذب يغيّر الصورة عند الإنسان، فيتصرف بطريقة قد يظلم فيها الناس والحقيقة والحياة، إن الدين صدقٌ وأمانة؛ صدق مع الله وأمانة على الحياة.