
انتبهوا من تعبدونه فإن المعرفة عبادة
في تحف العقول عن أئمتنا الكرام أنه
من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس ، فقد عبد إبليس.
والإصغاء هنا بحسب فهمي هو الاستماع بتصديق، وذلك أن معرفة الإنسان شيء مقدس ينبغي أن لا نسمح لأي أحد بالتلاعب به، كما أننا يجب أن لا نأكل كل شيء كذلك يجب أن لا نصدق ونقرأ كل شيء دون تمييز.
فإذا أصغينا إلى ناطق فلا نصدقه في كل ما يقول حتى نأمن من كونه ينطق عن الحق، فإذا تهاونا في شأنه بحجة الانفتاح وقبول المخالفين، ووثقنا بكل ما يقول، وكان يأخذ من لسان إبليس فقد عبدنا إبليس.
وإن كان ينطق عن الله ويدلنا على الله فقد عبدنا الله سبحانه.
ولعل الأمر يتعلق بنوع من الإصعاء والتصديق، فإن بعض الأفكار في الكتب ليس لها دليل سوى قول صاحبها، فإن قبلنا منه بدون دليل فقد عبدناه دون الله، وإن كنا نقيس ما يقوله وفق الدليل الصحيح فنكون عندئذٍ قد عبدنا رب الدليل وخالقه.
وكذلك ينطبق الأمر على القراءة فبإمكاننا انتزاع معنى أن من قرأ وصدق من ينطق عن الله فقد عبد الله، ..
وعلى كل مصادر أخذ المعرفة..
وقد ورد في الرواية عن المعصومين (سلام الله عليهم) في تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه) أن تأويلها فلينظر إلى علمه ممَ يأخذه.
فأخذ العلم عبادة نبه عليها الدين وليس من الصحيح أن يتناول القارئ -لا سيما في بداية تثقفه- كل ما يصادفه، كما ليس من الصحيح أن يأكل الإنسان كل ما يجده أمامه، فإن التسمم بالطعام شيء هين يمكن علاجه، ولكن التسمم بالعلم يجعل الإنسان منحرفاً طيلة حياته ويؤدي به إلى الشقاء في الآخرة.
فانتبهوا لمن تقرأون وانتبهوا من تصدقون، فنحن في زمان سوء ومكيدة وحرب ثقافية وعملاء فكريين وحملات تشويه وكذب والحزم سوء الظن بالناس، وحسن الظن بالمقابل بلا تجربة وبلا دليل تغرير بالنفس..
وكم وجدنا من شخص ينقل عن مصدر تأريخي أو علمي ما يؤيد به كلامه وليس في المصدر ما ذكره بل يكذب على القراء لأنه يعلم أن أكثرهم لا يتحققون ولا يتتبعون، وأنهم يأخذون بحسب ما يرونه من عقلهم، وقد تكون عقولهم أسيرة القيود الفكرية تأخذ من غير دليل بل لمجرد حسن الكلام ومظهر المتكلم.
بل إن الكذب والتدليس دخل حتى في الأوساط العلمية فقد قام أحد أنصار نظرية التطور بتزوير جمجمة إنسان وجعلها قريبة من شكل القرد وزعم أنها الحلقة الوسطية بين القرد والإنسان لينصر نظرية التطور ضد مخالفيها، ولم يكتشف التزوير إلا بعد أن أجريت على تلك الجمجمة (500) دراسة دكتوراه.
وها أنتم ترون اليوم كم يبالغ الإعلام السياسي بالكذب والتضليل، وإن نفس الأغراض السياسية التي تجعلهم يكذبون هنا تجعلهم يكذبون في ما يخدمهم في المجال العلمي أو الديني.
ولم تزل هناك فرائس سهلة الصيد للمضللين وذلك بسبب قلة تفقه الناس في الدين فيقعون في الشبهات الكاذبة والأوهام المضللة، وأولئك هم الذين أدموا قلب الإمام الصادق عليه السلام فقال: (لا أؤتى بشاب من شباب الشيعة لم يتفقه في الدين إلا وددت أن أعلو رأسه بالسوط).
فانتبهوا إلى معلوماتكم ومعارفكم ممن تأخذوها لكي لا تكونوا من عبدة إبليس عليه اللعنة.
وانتبهوا إلى أولادكم وإخوانكم ماذا يقرأون، وإلى القنوات الإعلامية ماذا تبث