في خفاء العصمة الحلقة الثانية

وراثة العلماء للأنبياء
من الواضح جليا دور الأنبياء (عليه السلام) في التأريخ وتأثيره الكبير في التمهيد لدولة العدل الإلهي وتكامل العقل البشري ، وكان هذا الدور مناسبا للوضع المعبر عن اللحظة الآنية التي يكون فيها النبي (عليه السلام) ، وهذا الدور ما نجده من تطور الفكر البشري الذي وصل في ذلك الوقت حد عظيما في جميع المجالات والاختصاصات، فكل نبوة يكون دورها منتج وأساسي في تربية المجتمع وفق الطرح المناسب والعقلية العامة للمجتمع، وفهمها لذلك الطرح، وتهمل كل ما يكون فهمه متعذر عليها ، لان مستواها الذهني لم يكن مساعدا على فهم المستويات المعمقة منذ أول نشأتها، فكان لابد من التدرج في التربية والتعليم إلى حين وصولها إلى مستوى أكثر قابلية للفهم، بمعنى أن النبوة كانت تتكفل تربية البشرية شوطا من الزمن ، حتى إذا ما أدت مفعولها أصبح من اللازم إبدالها بنبوة جديدة تتناسب والمستوى الذي صارت إليه البشرية، وتوكل هذه المهمة إلى النبوة التي تليها، على أن نفهم هذا السكوت من الأنبياء متعمدا تبعا للمستوى الذهني والاستيعابي للبشرية، ومن هنا تأتي النبوة اللاحقة لتكون (ناسخة) لتعاليم النبوة السابقة، لتلهم البشرية مفاهيم معمقة وتعاليم جديدة وتناط بها مهام أكثر من سابقاتها، وهكذا .
هذا الأسلوب في التربية التدريجية يندرج ضمن التخطيط الإلهي للوصول بالبشرية إلى مستوى تقبل واستيعاب الشرط الأول من شرائط إقامة الدولة العالمية في المستقبل وهو وجود الإسلام كما انه في الآن ذاته ينطلق في التربية لإيجاد العدد الممحص .
إن هذا الدور العظيم الذي أنيط بالأنبياء (عليه السلام) كان له من الأساليب والأدوات الزمانية والمكانية التي تناسب العصر بحسب ما تفرزه الحالة الاجتماعية من الوعي المصاحب للانحراف العقيدي، فلما وصلت البشرية لمرحلة اكتشاف الزراعة والاستيطان كان لزاما أن يطرح الأنبياء (عليه السلام) المصاحبون لتلك الحقبة طرحا يتناسب مع ما وصلت إليه البشرية من التفكير والوعي فجاء النبي إدريس (عليه السلام) باللغة ودفع بالمجتمع خطوة للإمام وبدأت التقاليد والعادات تدب روحها في الناس ، وخير شاهد على ذلك قصة النبي موسى (عليه السلام) مع فرعون والسحرة فلما اصبح السحر من اعتى ادوات قيادة الانحراف العقيدي، وهب الله لموسى معجزته المشهورة ، لذا ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) انه قال : (أن الله إذا بعث نبيا وأراد أن يبعث دعوته بمعجزة فانه يجعلها مشابهة لأرقى فنون العصر، لذا أعطى موسى (عليه السلام) العصا التي تلقف ما يؤفكون من السحر، وكان عيسى يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص لتقدمهم في علم الطب) .
ومن الطبيعي ان النبوة القادمة تكون مطلعة على المرحلة التي وصلت إليها البشرية من التكامل، كما أنها تكون عارفة بالأدوات المعرفية التي عالجت بها النبوة السابقة البشرية وكاملتها وصولا لهذه المرحلة، فكان لزاما أن تبدأ النبوة اللاحقة من حيث انتهت النبوة السابقة لها ولا تبدأ من حالة الصفر، ونفهم من ذلك كله أن نبوة الإسلام بوصفها خاتمة للنبوات جميعا فأنها تكون على اطلاع تام لجميع المراحل التكاملية التي مرت بها البشرية وملهمة وعارفة بالدور العظيم للأنبياء السابقين، فتكون بهذا المعنى وارثة لهم، يقول الملا صدرا : (الولي والوارث هما اسمان إلهيان (والله ولي الذين امنوا)، (الله خير الوارثين)، فالولاية نعت الهي وكذا الوراثة، والولي لا يأخذ النبوة من نبي إلا بعد أن يرثها الحق منه ثم يلقيها إلى الولي ليكون ذلك أتم في حقه وبعض الأولياء يأخذونها وراثة عن النبي (ص) وهم الذين شاهدوه كاهل بيته (ع) ثم علماء الرسوم يأخذونها سلفا عن خلف إلى يوم القيامة فيبعد السند، وأما الأولياء يأخذونها عن الله وراثة من ورثها وجاد بها على هؤلاء فهم أتباع الرسل بمثل هذا السند العالي المحفوظ الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) .
قال أبو يزيد : (أخذتم علمكم ميت عن ميت وأخذت عن الحي الذي لا يموت) قال سبحانه لنبيه في مثل هذا المقام لما ذكر الأنبياء (ع) في سورة الأنعام : (أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتد) وكانوا قد ماتوا ورثهم الله وهو خير الوارثين ثم جاء على النبي بذلك الهدى الذي هديهم به وكذا بعينه علم الأولياء اليوم بهدى النبي وهدى الأنبياء (صلوات الله عليهم) أخذوه عن الله، ألقاه في صدورهم من لدنه رحمة بهم وعناية سبقت لهم عند ربهم كما قال في حق عبده خضر أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا رحمة ) .
ونجد هذا المعنى الذي اشرنا إليه واضحا في الرواية : (حدثنا محمد بن الحسن عن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبيه عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال قلت : له جعلت فداك النبي (صلى الله عليه واله) ورث علم النبيين كلهم؟ قال لي نعم، قلت : من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه؟ قال نعم، قلت: ورثهم النبوة و ما كان في آبائهم من النبوة والعلم؟ قال : ما بعث الله نبيا إلا و قد كان محمد (صلى الله عليه واله) أعلم منه، قال، قلت : إن عيسى ابن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله، قال صدقت، و سليمان بن داود كان يفهم كلام الطير، قال : وكان رسول الله (صلى الله عليه واله) يقدر على هذه المنازل، فقال إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شك في أمره ( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) وكانت المردة والريح والنمل والإنس والجن والشياطين له طائعين وغضب عليه فقال : (لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) وإنما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء فهذا وهو طير قد أعطي ما لم يعط سليمان وإنما أراده ليدله على الماء فهذا لم يعط سليمان و كانت المردة له طائعين و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء و كانت الطير تعرفه، إن الله يقول في كتابه (ولو أن قراناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) فقد ورثنا نحن هذا القرآن فعندنا ما يقطع به الجبال و يقطع به البلدان و يحيي به الموتى بإذن الله، ونحن نعرف ما تحت الهواء وإن كان في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر من الأمور التي أعطاه الله النبيين و المرسلين الماضين إلا وقد جعله الله ذلك كله لنا في أم الكتاب إن الله تبارك و تعالى يقول (وما من غائبة في السماء أو في الأرض إلا في كتاب مبين) ثم قال جل و عز : (ثم أورثنا الكتاب للذي اصطفينا من عبادنا) فنحن الذين اصطفينا الله فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء) (بحار الانوار 26) ، نلاحظ في النص قول ابي الحسن (عليه السلام) نسبة الوراثة له ولاهل البيت بقوله :ـ (فقد ورثنا نحن هذا القرآن) ، وملازمة واقتران الوراثة بالاصطفاء، بقوله :ـ (فنحن الذين اصطفينا الله فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء) .
أن اقتران الوراثة بالمصطفين من عباد الله والذين يشتركون بعد التفاتهم بالتخطيط الإلهي وإيجاد اليوم الموعود والدولة العالمية والعبادة الخالصة لله قال تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، أمر في غاية الأهمية وقد ركز عليه أهل البيت (عليه السلام) وأشاروا إليه في كثير من الروايات، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : (إن العلم الذي لم يزل مع آدم لم يرفع والعلم يتوارث و كان علي عالم هذه الأمة وإنه لن يهلك منا عالم إلا خلفه من أهله من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله) (الكافي ج1) ، والنص واضح في شمولية الوراثة للعلماء وعدم اقتصارها على الأئمة المعصومين (عليه السلام) ، حتى ورد عنهم (عليه السلام) : (العلماء ورثة الأنبياء) فما يا ترى ورثوا من الأنبياء؟ ورد : (إن العلماء ورثة الأنبياء و ذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و إنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ شيئا منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين) (الكافي ج1) ، وما يلحظ في النصوص اعلاه تركيز قول المعصوم (ع) في التعبير على نسبة العلم والوراثة لهم وفيهم وجوديا ومستقبليا ، ومن ذلك قوله :ـ (فقد ورثنا نحن هذا القرآن…)، (فنحن الذين اصطفينا الله فقد ورثنا…)، (لن يهلك منا عالم إلا خلفه…)، (فإن فينا أهل البيت في كل خلف…) ، وهذا المعنى يندرج ضمن فهم وشمولية المقصود لاصطلاح اهل البيت وهو ما سنخصص له حلقة ان شاء الله تعالى ، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه واله) :ـ (العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي وورثة الأنبياء) كنز العمال، فاذا ورث اهل البيت علم القران فقد ورث العلماء ذلك العلم عنهم وعن رسول الله وفق ظاهر الحديث المروي عن رسول الله .
بعد ان تتطرقنا لشمولية الوراثة وحدودها نتكلم حول مقصود الوراثة، يذكر الراغب في المفردات (الوراثة و الإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد و لا ما يجري مجرى العقد، و سمي بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة ميراث و إرث و تراث فقلبت الواو ألفا و تاء قال: و تأكلون التراث، و قال (ص): اثبتوا على مشاعركم فإنكم على إرث أبيكم أي أصله و بقيته) ويردف قائلا :ـ (وقوله تعالى (ويرث من آل يعقوب) فإنه يعني وراثة النبوة و العلم و الفضيلة).
وايضا ما يفهم من قوله تعالى على لسان نبيه زكريا:ـ (رب هب لي من لدنك وليا يرثني و يرث من آل يعقوب) فنفهم (وليا يرثني) اي وراثة الابن لابيه بكافة معانيها، لكن ماذا نفهم من قوله تعالى (ويرث من آل يعقوب)، فاي وراثة يقصدها النبي زكريا؟ ذهب بعض المفسرون الى انها وراثة النبوة ، يذكر الطباطبائي (و من ذلك أيضا ما رواه الكليني في الكافي، عن أبي عبد الله (ع) قال: إن سليمان ورث داود، و إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ورث سليمان (عليه السلام) فإن وراثة النبي سليمان لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم و النبوة و نحوهما)، الا ان اصطلاح الوراثة اوسع واشمل من ذلك كله هو ما ذكرناه سابقا، من اطلاع تام لجميع المراحل التكاملية للبشرية ، ورد عن رسول الله (ص) انه قال لامير المؤمنين (ع): أنت أخي و وارثي قال: و ما ارثك؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي كتاب الله و سنتي) وهذا ما يترابط مع قولهم (فقد ورثنا نحن هذا القرآن) باعتباره اصدق واهم وثيقة تأريخية لسير تكامل البشرية منذ نشأتها بما اورده من قصص وتجارب الامم السالفة (احسن القصص) وغيرها من التعاليم والمعارف لمراحل وخطوات ذلك التكامل ، وهذا ما نستشمه من قول المرجع اليعقوبي حول القيادة الحقيقية بانها التي تكون عارفة بسيرة اهل البيت (ع) ، لكي تكون مطلعة على ادوات الخير والشر، واسلوب اهل البيت في التربية ، ولا يفهم من ذلك استنساخ الدور بل الاطلاع على التجربة والتعامل بالطرق التي تناسب العصر وفنونه، لذا ورد عن الشهيد الصدر قوله (ان هذا الزمان هو كزمان الامام الحسن (ع)) ، وايضا بعد شهادة السيد الصدر ما قاله المرجع اليعقوبي بان هذا الوقت كدور الامام السجاد بعد شهادة الامام الحسين وواقعة الطف، لذا نجد ان تصرف المرجع اليعقوبي اختلف كثيرا عن الردود الهوجاء للاخرين وما جرته عليهم من الويلات من القتل والتشريد والسجن وغيرها، فكان موقف سماحته منطلقا بهذا المعنى من الوراثة باستقراء لسيرة اهل البيت واطلاع تام للقران الكريم ، فحافظ على الثلة المؤمنة واوصلها الى بر الامان لتنعم ببركات ذلك الوقف العظيم.
وايضا الوراثة تعني وراثة العلم والمعرفة والتجربة الميدانية كما اشرنا وبث روح الوعي والإلهام في قلوب العلماء، وقد ورد أن رسول الله (صلى الله عليه واله) انه قال : (أن لله عباد ليسوا أنبياء ويغبطهم النبيون)، و قال (صلى الله عليه واله) : (أن في أمتي مُحَدثين مُكَلَمين)، ويحكي لنا التأريخ عن مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد فلما أفحمه وعاد إلى الإمام الصادق (عليه السلام) سأله عن ذلك فأجابه بما حدث فرد الإمام إليه من أين لك هذا العلم؟ فأجاب يا مولاي لقد جرى على لساني، فقال الإمام بل نطق فيك روح القدس وفي روايات اخرى كما في الاحتجاج للطبرسي قال الإمام الصادق (عليه السلام) له :ـ (يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى) ، وهذا التسديد والتأييد من واضحات الأمامية والعقل البشري ، يقول المرجع سماحة الشيخ اليعقوبي في كتابه دور الأئمة في الحياة الإسلامية ص 73 طبعة دار المتقين (إذا كان علم الإمام إلهاميا ـ كما نعتقد نحن الأمامية ـ فالذي نستفيده هنا أن ولي أمر المسلمين يجب أن يكون كذلك ـ باعتباره وارثهم)، ويبين سماحته اقتران بث روح الالهام مع الوراثة، وهذا ما تكلمنا حوله في حلقة مخصص.
ومن الأمور الملحوظة إننا نشاهد أن الزمن كلما تقدم خطوات إلى الإمام أصبح أكثر تعقيدا من سابقه وهذا مندرج أكيدا في سلسلة تكامل البشرية وإيجاد الشرط الثاني من شرائط الظهور، المبارك واليوم الموعود، وتأسيس الدولة العادلة العالمية، فالمرجعية تكون وارثة لأهل البيت (عليه السلام) وللأنبياء (عليه السلام) وبذلك تكون لها أعظم الأدوات المعرفية لتواجه اعتى أساليب الانحراف الذي وصلت إليه البشرية ، حيث يقول سماحة المرجع اليعقوبي في خطابه معايير التقليد في المدرسة الصدرية : (المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت (عليه السلام) ليست مقاما علميا فقط وإنما هي وارثة للائمة المعصومين (عليه السلام) ووظيفة الإمامة لا تكتفي بإراءة الطريق الحق والهدى للناس وإنما تأخذ بأيديهم وتوصلهم إلى الكمال، وفرق شاسع بين من يدل على الطريق وبين من يأخذ باليد ويوصل السائر إلى الغاية ) .
نكمل في حلقة قادمة ان شاء الله تعالى…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار