رسالة الى ناجي عباس

تعال أنصت أن للعشب أغنية في الصباح
النخيل فينا تموت , الأرض عطشى وحتى ماء المطر ملوث بالبارود!.
إلى أين تسير يا ناجي عباس؟! أن هذه الحرب واحدة من أساطيرنا,
خرافتنا تتجدد و الخضرة فينا تموت.
هل صار لديك بياض الطباشير ذليلاً كي تلتحق بمواجهة سواد الرايات وسود الضمائر؟!. ماذا سأقول لسبورة الصف, لرحلات الطلاب و كراسيهم, أن استاذكم أُصيب بالقيء من حادثة الإفك القديم, فالتحق بالجيش الجديد , التحق متأخراً عله يلتقط صورة (سيلفي) لحادثة الإفك الجديدة؟!
استحلفك بناصرية الأقلام , أن تشاهد نظرات العِتاب في تمثال الحبوبي. هناك من يريد تخنيث الجنوب بجعل الرجال يرحلون كي تتكاثر فيه الخناثة. أن للكلمات عِرضٌ به تنطق الدِلالات و يكون للغة معنى , و نحن بحاجة لمواجهة داعشية الفكر حروفاً, أما مواجهة داعشية الذبح قتالاً, فلنا بكل نخلة فقدناها ألف قتيل.
يا بن عباس ألا تهتز بك الغيرة أن تكثر الصبيات اليتامى و الأرامل , فلا يبقى سوى عصابات الأحزاب و تجار الفُحش يسعون خلفهن؟!
لو قلّ الرجال في الجنوب أكثر فأكثر فمن سيمنع الكارثة الأخلاقية القادمة؟!
هذا هو ميدانك حيث جهاد الصفوف الأمامية لخط الإمامة, فلماذ تهرول للصفوف الخلفية فأنت أجلّ مَن ينضوي أسمك تحت راية من رايات أحزاب القُمامة.
استحلفك بالناصرية التي كانت, أن تبقى يا دكتور ناجي للناصرية نجاة, أن الأرض تشح بها الشهامة لا قيمة لكثرة الشهداء فيها. انظر كيف كان نقص الشهامة في العراق سبباً لعدم انتفاع الشعب بدم سيد الشهداء. لذا فهي لم تتعلم و لن تتعلم من الدماء.
ابقى يا ناجي كي تُعلّم الشباب أن الوعي صمود, و أن النقد بطولة, و أن حرف الصدق تضحية, و أن الحق حضارة. و أن موتاً لا ينتهي بحرية العقل هو ليس سوى نهر من الدم يصب في بحر ضياع الذِّمم.
إنا اسئلك ان تذهب لموقع السيستاني وتبحث فيه عن فتوى الجهاد, ؟!
أنك لن تجدها, لأنها لم تُكتب. و بعد سنين ستأتي سيقال إنها لم تصدر , فالقضية
مرتبطة بحماية العتبات المُقدسة فقط, أما توغل بأحراش الرمادي و سامراء, فهو أمر لم تنوه به المرجعية, وهؤلاء السياسيون يصنعون الأزمات كي تكون غطاءً لبقائهم.
إني اكتب أليك حروفي فجراً , الطقس في مدينة سدني شديد البرودة اليوم ,حولي طيور ببغاء بيضاء بالمئات, كبيرة الحجم و ريش رأسها أصفر, تطير حولي لأصعد طالبا رزقي بيدي , فالرزق مثل الشرف و الحرف, لا يؤخذ إلا بكدح اليد.
تعلمتُ من دعاء علي بن ابي طالب في الصباح أن استنشق الضوء و ليس فقط الهواء. حولي ببغوات لم تكرر صوت الآخرين, و حولك بشر لم ينطقوا بشيئاً غير ما قاله الآخرون, أيهما الببغاء و أيهما البشر؟!.
أين ذلك الموت الذي يُمثلني, ذلك الموت الذي يصنع اسطورتي مع نفسي؟!.
في الحياة لم نكن كما نريد فلنكن في موتنا لا أقل ما نحن نريد. لا قيمة لموت لم يكن الفكر روحه و الحياة جسدٌ له. أين جسدنا, كي ننحر أرواحنا في موت يحمي كراسي و ألقاب سوانا؟!
هل حقاً أعلنتَ لطلابك أنك ذاهب لسامراء؟!
أني مصدوم و أشعر بالحزن لكونك رميت نفسك مع الكثرة و تركت القلة, نصرت البارود و هجرت القلم وحيداً, سيكثر في الناصرية أيتام المعرفة أكثر من أيتام القتل, أيتام القتل وزرهم على الإرهابيين و قيادتنا التعسة, و أيتام المعرفة وزرهم على ابن عباس و أمثاله من الكوادر العلمية النبيلة. لماذا لا تريد أن تعلّم التلاميذ كيف يعود علي بن ابي طالب و الحضارة إلى العراق, لماذا؟!
لعلك مصدق ان علي بن ابي طالب لازال في العراق؟!
لقد رحل ذلك الفتى وصار ريحاً عاصفة في الجهات الأربع, ولم يبق في العراق سوى السكون و السكوت , فلا حركة إلا في تملق, ولا هرولة إلا تحت تكتل الرايات التي يكره فيها الأخ أخاه و يتخاصم الأب مع أبنه. جهادنا مع أنفسنا لم يبدء فكيف نتراكض لجهاد مع غيرنا؟!
صدقني إنها معارك تحويل الأضرحة الى فخاخ تتقاتل حولها شعوبنا حطباً لطبخة رمادها منا و علينا, و حسائها لسوانا و غيرنا.
ارجوك ابحث عن علي بن ابي طالب في النساء المتسولات, فهنا الفروسية الكبرى, فنحن قوم نكثر من اسم علي كي ننساه. أبحث عن طفلة يتيمة مُشردة فهنا الحجّ الأكبر و الطواف الأبهى. اجمع دموع الصبيان اليتامى فهي حبر الكتاب الأصدق.
لا تحسب ما جرى و ما يجري ثورة إنها فقط خلجات المُحتضِّر. ألم يعلن محمد باقر الصدر أن القوم أموات(إنها مؤسسة ماتت) والميت لا يكون مرجعاً وقائداً إلا على أموات مثله.
هل تريد مجاهدة الإرهابيين؟
حسناً اخبرني لماذا نشم كل شيء في هذه المعارك ولا نشتم عطر علي؟!.
قبل شدّ الرحال , دلني على الطريق؟!
لماذا النار مشتعلة فينا منذ سنين لكننا لم ننضج أبدا؟!
هذا لكون ما تطبخه المحنة حجارة و ليس طعاماً. شجرة نُحتت من جلمود صخر ننطر فاكهتها أن تنضج! هكذا نحن جيل فجيل ننطر متى يتغير حالنا, نسقي الحجارة أمالاً و أماني و هتافات, والضمير فينا جائع و العقل فينا جائع, و الحرف بنا يتيم ضائع. أبداً لن نشبع و نتحضّر, و أبداً هذه الفاكهة لن تخضّر.
أوااه , أوااه يا ناجي عباس , دعني أخبرك و أنا اكتب بهذا الضباب الصباحي قبل ان تبتل يدي تُراباً و طابوقاً فلا استطيع أن ألمس جهاز الكتابة , أني أنحني ألمس العشب الرطب بالندى تحتي و أتأمل : العشب يا عبداللطيف معلمك العظيم هو يغسل نفسه بنفسه , ولا ينطر الآخرين أن يفتوا له فتوى الأنقلاب, أو يستوردوا لها الثورة و البضائع. العشب يغسل نفسه بنفسه. هكذا يكون الحق و هكذا يكون العشق. لا تغتسل بالناس ولا بالكتابة , توضأ بروحك كي تكون روحاً أخرى:
أوواه يا ناجي عباس , تجولت كثيراً في المدن المقدسة فكانت بلا لون ولا طعم ولا رائحة . لكني قد شممت ريح علي بن ابي طالب في الدلافين التي لاقتني وأنا اقترب من شواطئ تايلاند و سنغافورا, فحينما ينهض شعب ستجد ريح قميص الحبيب العلوي هناك.. في ماليزيا حيث قلبوا بئر التخلّف أبراج تقدماً شاهقة, كانوا شعباً هجيناً من لغات و معتقدات و قوميات شتى, توحدوا بالعمران و تآزروا بالأمن فصار الإنسان لديهم نظيفاً أكثر من بريق مساجدنا.
لقد شممتُ ريح علي بن ابي طالب , بعجائز اليابان وهن يتراكضن لمساعدة الناس في كارثة تسونامي , يطلبن بتوسل أن يستخدم الناس مرحاض بيوتهن و حمامتهن بلا مقابل , كانن يبتسمن رغم العاصفة. يُقدّمن المعونة من أجل المحبة لا خوف من نار ولا طمعاً في جنة ولا تملك لراية فلان زعيم أو عمامة.
لقد شممتُ عطر علي بن ابي طالب لدى باعة يفترشون الأرض في فيتنام, يحل المساء و يتركون بسطياتهم كما هي فلا يسرقها أحد, شممتُ عطر علي بن ابي طالب في دكاكين مزارع في استراليا لا يوجد فيها أحد تأخذ ما تريد تضع الثمن و تمضي.. العدالة لا تحتاج لصور معممين ولا لافتات قيادات و دين, العدالة تحتاج أن يكون الانسان إنساناً, وعليٌ تجده حيثما تجد الإنسان. فكم إنسان لدينا كي تموت مجاناً يا بن عباس؟!
حزينٌ لكونك رميت نفسك مع الكثرة و تركت القلة, نصرت البارود و هجرت القلم وحيداً, سيكثر في الناصرية أيتام المعرفة أكثر من أيتام القتل. أيتام القتل وزرهم على الإرهابيين و قيادتنا التعسة, و أيتام المعرفة وزرهم على ابن عباس و أمثاله من الكوادر العلمية النبيلة.
لماذا لا تكون أسوة للحياة , التلاميذ شبعوا من أسوة الموت.
ألم تسمع أنين جرف الشواطي من الشطرة الى الإسماعيلية الى سوق الشيوخ, أنهار يابسة كما الضمائر, الدم لا يروي الأرض هو يجعلها تتيبس و تتشقق, الدم لا يروي الروح ولا التراب, فلماذا تنثرون رصاصاً وليس أقلاماً؟!
استحلفك بالله يا بن عباس لو أنك خرجت من جهاد التعليم هل ستشم عطر علي بن ابي طالب في خرائب سامراء؟!
ضع كفّك على صدرك لتسمع نبضات أن ما تبحث عنه لازال يبحث عنك منذ سنين. أن اليقين هائم بك لكن انشغالك بغيرك هو الذي يوهمك أنك فاقدٌ إياه تبحث عنه. كلمة من القلب تجعلك تلمس السماوات فأي حاجة أن تُدفن في الأرض؟!
هل تريد الجهاد؟ أمامك ألوف اليتامى أعتني بأحدهم. هؤلاء سيكونوا حطب معارك القوادون الجُدد, سيكون هؤلاء الأيتام كآبائهم إما إرهابيين او شهداء ذبحهم الإرهابيون.
دكتور عباس , سامحني على تجاسري و تطفلي و تدخلي , و طول ثرثرتي لكن أن تتعلم درس الصباح من الطيور يعني أن تشدو بحرية مثلها فيكون كلامك طائراً بأعلى من أسرابها و سرابها.
دكتور عباس أي أُخي:
في هذه المدة الأخيرة فقدتُ الكثير من الأقرباء و الأصدقاء, لقد كانوا لقمة لحوت الموت الذي لا يشبع. أن الموت حقيقة سيذوقها كل الناس, لكن الحياة حقيقة لن يذوقها سوى بعضهم فقط, فدعنا نذق الحياة فهذا هو أختبار الحرية فينا, أما الموت فهو جبرية القدر الذي حتماً سيأتينا, هل صرت تكره الحرية أم مللتها, حتى تعافها و تستعجل نقيضها؟!
أرجوك أبقى يا أستاذي و معلمي , فأني بحاجة أليك, ولا تكسر ظهري فليس لي مقدرة أن أفقد الناصرية كلها.
ابق و علّم التلاميذ يجاهدون بزرع الأرض, و إعادة الماء إلى الشط, لتعود اسراب الطيور إلى هذا الوطن و يعود الضمير إلى هذا الشعب, فلنتحرر من الضغينة فيما بيننا قبل أن نحرر التراب من قبح خطاب الآخرين لنا.
إلى أين تمضي يا مُعلمي؟! ابقى معي نُكمل النصات لأغنية الزرع للصباح, ألسنا نحن أبناء سومر , فلاحون , معدان , لقد علمتنا الحيوانات و النباتات الحضارة, لذا رسمها أجدادنا و نحتها أكثر من الإنسان.
لقد علمنا الحسين في ليلة عاشوراء أنه محرم الموت على من في ذمته ديَن أو فوات عبادة. و أن كل الجمال صلاةٌ ولازالنا مطالبون بقضاء الكثير من الركعات التي فاتتنا من العشق… أم أنك صليت ركعة الهيام الأخيرة؟!
آااخ آااخ كم هو مُرّ هذا الكلام : لو أنك يا ناجي عباس ذهبت للغياب , فأني سأمسك بنسخة لنهج البلاغة و أطعمها لكتدرائية الأمواج كي تختلط أجنحة النوارس بوصايا كبير شهداء الله, فينمزج الهواء بماء البحر و يرسم لي وجهك الذي لا يغيب عن ملامح كلماتي, و رغم حزني العميق ,لن أقول لك وداعاً. فالوداع لا يقوله سوى الأحمق الذي يعشق بعينيه فقط.
أستاذي و معلمي : أرجوك , أرجوك لا تذهب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار