
تاريخ الاصطفاء ……” الحلقة الاولى
قبل البدأ بالبحث المعنوّن لابد من مقدمة او تمهيد يوضح بعض المسارات العامة للبحث ،فهذا العدد هو بمثابة مقدمة وكعامل مساعد لفهم الاعداد القادمة ان شاء الله تعالى ، لا اريد ان اقدم على خطوة لم يقدم عليها القادة الماضين، بل سأحاول بعون الله تبارك وتعالى ان اوضف التكامل العلمي والنفسي وغيره في ابراز بعض ما اضمروه أئمة الهدى في كلامهم ، والذي كان مستواه مناسب لمستوى الوعي الذي عاصروه مع البشرية ، لكن الان في عصر التقدم المضغوط ، كأننا في هذه الخمسة عشر سنة الماضية اجتزنا من التطور وعلى جميع الاصعدة ما لم تصل اليه البشرية عبر ملايين السنين ، فيقولون اهل البيت (ع) انه في عصر الظهور المبارك سيخرج العلم عن كنوزه .
فالدين الاسلامي يختزن في داخله اغلب عناصر التكامل ، ولكن البقية على الانسان صاحب العقل ، والذي كان ومازال هو مصدر التشريع ، فهذا العقل المجرد من المقيدات هو من مستحقات المنقذ الموعود ..
الشاهد هو ان التكامل طبيعة الجنس البشري ، فما دام الجنس البشري موجود وجب وجود التكامل ، اذن هذا يستتبع ان نستخرج بطنا جديداً من بطون القرآن الكريم ومن كل المصادر الاخرى ، ولكن السؤال المهم: من هو الذي ستكون وظيفته استخراج العلم الجديد والقانون الجديد او التشريع الجديد ؟؟ الجواب بوضوح هم من اصطفاهم الله تعالى من أنبياء وائمة وقادة دينيين ، وغيرهم من المفكرين ، كذلك حتى بعض العوام قد يتمكن من استكناه بعض القوانين او جزء منها ولكن بتوفيق وتأييد اللهي وبعد ان يجعل من اهل الاختصاص حكما لما توصل اليه ..
فالدين الاسلامي يتعمق نظراً لمتطلبات الحياة ، فتجد الشهيد الصدر (قدس سره) يقول في موسوعة الامام المهدي (ع): ان الماركسية اوجبت من حيث تعلم او لا تعلم تعميق الفكر الاسلامي ، لان الحاجة تطلبت الرد على بعض افكار الماركسية وهذا بدوره سيؤدي الى فتح بابا جديداً من ابواب العمق نظراً لعظم المواجهة ، فمن يسأل عن اي عقيدة في السابق كان جوابه مختصراً وسطحياً ، لكن الان لم يعد بالامكان التسطيح والاختصار او الفتوى بكلمتين او اصدار رسالة عملية وكفى ! …
يروى ان عيسى النبي (عليه السلام) قام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم , فهذا النص يبين لنا ان هنالك افكار او مفاهيم عميقة تحتاج من المتلقي ان يكون ممتلكاً لبعض المقومات النفسية والفكرية تؤهلة لتلقي هذا الفهم والتكامل ، فهو اذا لم يكن مؤهلاً لتلقي هذا المستوى سيقع في فخ الانحراف ، والغاية من التكلم (بالحكمة او اي فهم معمق) هو التكامل ، اذن سنبتعد عن الغاية اذا لم نأخذ بهذا المنهج المسطور في الرواية السابقة . واكثر من يلقون الحكمة للجهال هم اصحاب فكر الحداثة وغيرها ، فهم يتناقلون بنظريات وقوانين ويبثونها بين الناس ، ولكن المفروض ان يتم تقديم بعض الافكار المشرقة الغير موجودة في ظاهر الدين بشيء من التدرج لكي يرفعوا من مستوى وعقليات المجتمع . ولكن هذا هو الفرق الكبير والبون الشاسع بين المفكرين الاسلاميين والمفكرين الحداثوين ، هو الاهتمام بمستوى المتلقي وزق العلوم حسب مستوى البشرية كما يروى عن الائمة (ع): حدثوا الناس على قدر عقولهم ، فالعالم متى ما وجد المجال مناسباً للتقدم يتقدم وللتوقف يتوقف وهكذا ،عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: إن الله لم يدع الأرض إلا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان في الأرض فإذا زاد المؤمنون شيئا ردهم و إذا نقصوا أكمله لهم فقال خذوه كاملا و لو لا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم و لم يفرقوا بين الحق و الباطل.(1بصائر الدرجات) ، وانا متأكد من ان اغلب الاناس الذين انظموا لهذه التجمعات الفكرية (الحداثة وغيرها) انما هم شعروا ان هنالك تساؤلات في داخلهم ذات مستوى متقدم ، فبحثوا عن الاجابة ولم يجدوا من القيادة الاسلامية الوضوح في الجواب بل وجدوا الوضوح عند هذه التجمعات ، فعندها انظموا اليهم ، ولكن الذي فلت عن ذهن السائل هو عدم معرفة ان وضوح النص الاسلامي تحدده عوامل محيطة كالظروف وحجم التقية وغيرها ، لان القائد الاسلامي يملك ستراتيجية في التصرف تتعب في فلسفتها العقول ..
فبعد هذه الراوية نفهم بوضوح ان الاسلام يعتني بمستوى البشرية ولا يحدث الارباك الفكري والخلل في تلقين العقائد ، فما دام الهدف هو تكامل الانسان اذن هو يعتني بالوسيلة والكيفية التي ستوصله للهدف المنشود .
وبطبيعة الحال قد استبق المناسبة اذا قلت بأن الفكر الاسلامي العميق يحتفظ ويعترف ببعض الافكار المشرقة في الحداثة والعلمانية وحتى الماركسية ، ولكن وفق رؤية القيادات الاسلامية ان الفرصة غير سانحة لاعلان مثل هكذا مبادئ وفكر ، وذلك كما قلنا قبل قليل بأن مستوى البشرية لم يعطها الضوء الاخضر للتقدم …
طيب ، الان وبعد ان انتهينا مما سبق كيف سنكتشف اعماق هذه المستويات العلمية والمعرفية ؟، لنقرأ الرواية التالية : عن النبي (ص) : بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد وبه توصل الارحام ويعرف الحلال والحرام ، والعلم أمام العقل ، والعقل يلهمه الله السعداء ويحرمه الاشقياء، وصفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه ويتجاوز عمن ظلمه ويتواضع لمن هو دونه ويسابق من فوقه في طلب البر، و إذا أراد أن يتكلم تدبر ، فإن كان خيرا تكلم فغنم وإن كان شرا سكت فسلم وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله ، وأمسك يده ولسانه ، وإذا رأى فضيلة انتهز بها ، لا يفارقه الحياء ولا يبدو منه الحرص ، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل، وصفة الجاهل …..(بصائر الدرجات )
لو كان المجال كافياً لحللنا هذا الكلام لموسوعات لمدى اهميته ، فما دام العلم يتكامل اذن الطاعة والعبادة ايضا تتكامل ، ولكن الفقرة التي تهمنا الان هي (العقل يلهمه الله السعداء) ، فمن يتعلم هنالك نتيجة لا نختلف عليها بأن يصل لها كل من يقرأ ، ولكن هنالك من يخلص في عمله وينقي نفسه من الشوائب ، فيكون مستواهم العقلي والادراكي مختلف جذرياً عن غيره ، فهو من سيشعر بالقرب الالهي والصلة التي ستغيبه عن المزالق ، وهو من سيلهمه الله تعالى الصواب حسب استحقاقه وطاقته ، فالانسان اذا كان يقوده العلم ستكون مواقفه اكثر وعياً وهدفه اسمى الاهداف ،عن النبي (ص): : تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام وسالك بطالبه سبل الجنة، ومونس في الوحدة ، وصاحب في الغربة ، ودليل على السراء وسلاح على الاعداء ، وزين الاخلاء ، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلتهم…
قد تربى القارئ للروايات الاسلامية على طريقة في قرائتها ، وهي عدم النظر للروايات بطريقة علمية بل فهمها فهما روحياً اكثر من علميتها ، مع العلم ان اساس الروح هو العلم ،فيقول امير المؤمنين في نهج البلاغة: الروح حياة البدن والعقل حياة الروح.، فهذه التربية الناقصة ادخلتنا في صراع داخلي وكلفتنا خسارة حلقات وخطوات واسعة من التقدم ، فتجد ان الشهيد الصدر الاول (قدس سره ) عندما واجه الرأسمالية والماركسية في عصره لم يتخذ اسلوب التقاعس ، كإن يكون اصدار فتوى بسطر واحد او اقامة تجمعات لقراءة بعض الادعية ، بل كان الغزو ثقافي فلابد من مواجهته ثقافياً ، فواجههم العملاق الشهيد الصدر الثاني فكرياً وثقافياً ..
فالعلم هو من سيؤهل الانسان لتقبل تلقي المعارف التكاملية وسيكون الانسان المتعلم او المثقف او المؤمن كما في الرواية التالية : يروى عن أبوعبدالله)عليه السلام ( انه قال : إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيها حتى يلحن له فيعرف اللحن ، أي يتكلم معه بالرمز والايماء على جهة التقية والمصلحة فيفهم المراد ،فهنالك مراحل لا ينجوا فيها الا من يفهم هذا الاسلوب وهو طريقة الاشارة ، ففي هذه السلسلة سنتكلم حول بعض القضايا الاسلامية التي بحاجة الى فهم متكامل ، فهمٌ يستمعمله القادة في قيادتهم وليس الافراد البسطاء ، وذلك لان القادة بحاجة الى معرفة الميكانيكية التي تسيير الاحداث لكي يغيروا بالمعطيات لغرض الحصول على نتائج متزنة ومستقرة ، لكن الفرد العادي او اصحاب النظرة السطحية الذي يستنسخ المواقف لا يكون على دراية بالعناصر المحيطة بالحدث والتي تؤثر بإستمرار على القراءة للحدث كلما تقدم الزمن.
يقول الكاتب فراس السواح انه في احدى الايام جاء له شاب وقال بأنه عندما قرأ كتاب (لغز عشتار) اصبح ملحداً ، فتعجت الكاتب وقال له هنالك اشخاص كثر ازدادوا ايماناً بعد قرائتهم لكتاب (لغز عشتار) ، فيقول الكاتب بأن هذا الشاب رجل يلتزم النص بحروفه الذي صدر على لسان الكهنوت الماضي ،وهذه العقليات الساذجة والمتحجرة هي من تقف حجر عثرة في طريق التكامل وتقف بوجه حامل كل رسالة اصلاح جديدة ، ففي هذه العقليات العاطفية لا تجد مجالا للوعي فيها ، كما نحن نرى اليوم طاقات شبابية هائلة تشحن عاطفياً للانتحار بعنوان الجهاد المقدس ..
.. عـن الامام علي (ع) في وصف الائمة:(عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية , لا عقل سماع ورواية , فان رواة العلم كثير ورعاته قليل)، فالقيادة من حق اهل الوعي والادراك العالي وليس مجرد حفظ للروايات وتكرارها ، وبسبب حفظ النص بدون وعي لحقائقه كثر في المجتمع امثال هذا الشاب النصّي ولذلك نجد اكثر المندفعين للجهاد من وهابية وغيرهم هم من حفظة القران وليس من وعاته .
الشاهد اننا بحاجة الى قراءة ما وراء النص ، وبصراحة هذه المعرفة لا تتأتى من التركيز في القراءة فقط بل تأتي كما قال النبي (ص) : (العقل يلهمه الله السعداء) .نكمل في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالى