
ولاية الامر ضرورة لانقاذ الامة الحلقة الرابعة
قلنا في الحلقة الماضية ان الطرح الذي يتبناه سماحة المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) يختلف عن متبنيات السابقين، وان كان الانطلاق لترسيخ متبنياته من المصادر نفسها، الا ان التعمق فيها والمنظومة التي ينتمي اليها مغايرة تماما لما يخضع لها الاخرون. قد يجد القارئ اختلافا عما هو سائد، الا اننا قلنا في سابق الحلقات ومن ضمن المقدمات لفهم هذا الموضوع : لا بد ان نؤمن بالطرح الجديد على شرط ان يكون منسجما مع المصادر الرئيسة للتشريع، وخاضع للضوابط حتى لا تكون المسالة تابعة للمزاجات والاستحسان وغيرها..
ان موضوعة ولاية الامر موضوعة فيها تفاصيل وتشعبات كثيرة، منها ما يصعب على غير الحوزوي الالمام بها، ومنها مسائل فكرية يمكن لاي مثقف الالمام بها شريطة الاطلاع على بعض الاراء وان يكون مطلعا على ثقافة بعض المذاهب الاسلامية. احاول في هذه الحلقة ان اشير الى قضية مهمة قد سُكت عن مناقشتها ــ الا افراد ــ على الرغم من اهميتها، واثرها العملي على ارض الواقع، وهي ليست من الترف الفكري حتى تهمل بدواعي تركيزهم على المسائل الابتلائية !
والمسألة هي: كيف يمكن التوفيق بين الفكرة السائدة ـــ عند الشيعة خصوصا ـــ من تعدد القيادات الدينية في البلد الواحد، وهناك اكثر من مرجع ورأي يتبعه المجتمع، خصوصا في المسائل العامة التي على مساس مباشر مع واقع الامة، كتحديد اوائل الشهور والجهاد وغيرها.. وبين فكرة ولاية الامر وتوحيد القيادة وضرورة عدم تضارب الاراء والنتيجة انتقال التضارب للمجتمع؟؟
قلنا: ان الفكرة السائدة عند الشيعة خصوصا هي لا مانع من تعدد المرجعيات الدينية في البلد الواحد، اذا انطبقت عليهم الشرائط المذكورة في كتب الفقه. فاذا انطبقت هذه الشروط فالى اي مرجع منهم يمكن الرجوع وتبرئ ذمة المكلف بالعمل وفق ارائهم. لكن لو دققنا النظر في هذه الفكرة لوجدنا هناك ابتعاد كبير عن المسار الذي رسمه اهل البيت (ع) والمنهج العقلي السليم.
ان هذه التوجه ـــ السائد ــ له منشأ وهو فهم بعض الروايات الواردة بهذا الخصوص، منها:
مقبولة بن حنظلة : ” انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حكما ، فإني قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استحف ، وعلينا رد ، والراد علينا الراد على الله تعالى ، وهو على حد الشرك بالله “. مستند الشيعة، المحقق النراقي، ج17 ص 18.
والتوقيع الرفيع المروي في إكمال الدين للصدوق ، وكتاب الغيبة للشيخ ، والاحتجاج للطبرسي : ” وأما الحوادث الواقعة ، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله عليهم “.
وعن الامام العسكري (ع): ( فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا على هواه ، مطيعا لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلدوه ، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم). الاحتجاج للطبرسي ج2 ص 264.
هذه الروايات الرئيسة تقريبا التي يعتمد عليها لتثبيت فكرة الرجوع للعلماء في التقليد، كما فهم منها امكانية الرجوع الى اكثر من واحد بمجرد اثبات اجتهاده، وليس بالضرورة ان يكون الاعلم، فلو وجد عشرة اشخاص وصفوا بهذه الصفة فمن حق المكلف الرجوع لاي واحد منهم فتبرئ ذمته..
اي انهم فهموا منها تحقق الشروط فقط وان تعدد الاشخاص، اي ان الائمة (ع) لم يلحظوا الوحدة في القيادة وانما لحظوا تحقق الشروط فقط وان كان هناك الكثير..
وهذا الفهم منسجم مع القيادة الدينية التي لا ترى للفقيه دور غير المسائل الشرعية (بالمعنى الضيق) اي لا دخل له في المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الحوادث الواقعة. ولا ينسجم مع التوجه الذي يرى للفقيه ولاية على الامة في حدود ما دل عليه الدليل.
وهذا الفهم السائد فيه نقاط ضعف، منها:
اولا: ان الشيعة الامامية يرفضون هذا القول في مجالات ويقبلونها في مجالات اخرى، ففي مسألة الامامة وخلافة الرسول (ص) يرفضون ان تترك الامة سدى وان هناك ضرورة وجود حجة على الناس ليصون الشريعة من التحريف ويقود الامة نحو بر الامان، وقد تمثلت وقتها بائمة اهل البيت (ع). في حين انهم يقبلونها في زمن الغيبة ويرضون بان يفعلها الامام المهدي (ع) ويترك الامة دون ان يحدد لهم الخيار، فالامة باقية دوما لا تستطيع تشخيص الاصلح لوجود المصالح والمتصيدين في الماء العكر فضلا عن الاموال الطائلة المخصصة لشراء الذمم. فحاشا الله سبحانه ان يترك الامة ولم يقم لهم الدليل والحجة عليها.
قد يقول قائل: ان هناك فرق بين الحالتين ـــ الفترة التي تلت وفاة الرسول محمد (ص) وزمن غيبة الامام المهدي (ع) الكبرى ـــ فيوجد في الاولى نص على الخليفة، وفي الثانية حدد القائد بشروط وضوابط !
قلنا : ان الفترتين متشابهتين من حيث احتياج الامة للقائد الذي يفصل بين الامور ولا بد من نصبه للناس سواء كان في الفترة الاولى او الثانية، ففي فترة وجود الرسول محمد (ص) لم يعتمد على النص فقط، وانما اضاف شروطا وضوابط بمعية النص، كتثبيت مواقف علي (ع) مثل بروز الايمان كله للشرك كله، او ضربة علي (ع) يوم الخندق تعادل عبادة الثقلان.. وغيرها. او الاشادة بالاشخاص الخلص الذين علم منهم النصح والاخلاص لامير المؤمنين علي (ع) كالجنة تشتاق لاربع.. او يا عمار تقتلك الفئة الباغية.. وغيرها. فلم يعتمد الرسول محمد (ص) على النص وحسب، لانه يعلم يقينا ان الاخرين سيحرفون الكلم عن موضعه او يكتمون الحق كما حصل فعلا في كثير من الحوادث…
وبناء على ما سرنا عليه في هذه الحلقات بحسب رأي المرجع اليعقوبي (دام ظله) في فهم معنى (الرسول) الوارد في الايات الشريفة، فان اية التبليغ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }المائدة67
تنطبق على الامام المهدي (ع)، ومعنى انطباق الاية هنا ان الرسالة تضيع اذا لم ينصب للناس خليفة يقودهم بعده ـــ اعني وقوع الغيبة التامة ـــ وهذا ما يفسر لنا فلسفة الغيبة الصغرى التي كان الامام (ع) ينصب وكيلا بعد اخر، ولم ينصب اكثر من واحد في الوقت نفسه !
عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله أجل و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل . الكافي ج1 كتاب الحجة ص 178.
عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال : والله ما ترك الله أرضا منذ قبض آدم عليه السلام إلا وفيها إمام يهتدي به إلى الله وهو حجته على عباده ، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده . الكافي ج1 كتاب الحجة ص 179.
والمروي في إكمال الدين عن ابي عبد الله عليه السلام أيضا ، قال : ( إن الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان ، ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم ) .
ويعلق المحقق النراقي على هذه الرواية ونظائرها بقوله: (والحجة والعالم فيهما لا يحملان على الامام المعصوم الغائب ; لأنه لا يعرف الناس مسائلهم ، ولا يدعوهم إلى سبيل الله ، ولا يبين لهم أمورهم ). عوائد الايام ، المحقق النراقي ص 542.
ثانيا: ان هذا الفهم السائد مخالف لواقع سيرة المعصومين (ع)، فعلى الرغم من وجود اكثر من معصوم في الان نفسه الا ان واحدا منهم يتصدى للامر ولا ينطق غيره، فقد ورد في الروايات الشريفة عنهم : لا ينطق الساكت حتى يسكت الناطق. وسارت الامور بعد وقوع الغيبة الكبرى على الطريقة نفسها في زمن الشيخ المفيد والسيد علم الدين المرتضى والشيخ الطوسي.. وبخلافه فان الفوضى التي سيسببها المجتمع لا يمكن تلافيها. وهذا ما يحصل في المجتمعات التي تعيش اليوم حالة التعدد في المرجعيات، فهناك فوضى يتسبب بها اختلافات وجهات النظر، مثل الانتخابات او تحديد هلال الصيام او الافطار..
ثالثا : ان هذا الفهم السائد من تعدد المرجعيات في البلد الواحد يخالف روايات الائمة (ع) وما اسسوا له، فجل الروايات الواردة عنهم تشير الى ضرورة وحدة القيادة لا تعددها:
ورد عن الحسين بن أبي العلاء قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : تكون الأرض ليس فيها إمام ؟ قال : لا ، قلت : يكون إمامان ؟ قال : لا إلا وأحدهما صامت .الكافي ج1 كتاب الحجة ص 178
عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام ، كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم ، وإن نقصوا شيئا أتمه لهم . نفس المصدر والصفحة.
عن عبد الله بن سليمان العامري ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة ، يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله . المصدر السابق.
عن أبي بصير بصير ، عن أحدهما عليهما السلام قال : قال : إن الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل . نفس المصدر.
عن صدق بن صدقه قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لن تخلو الأرض من حجة عالم يحيى فيها ما يميتون من الحق ثم تلا هذه الآية يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. بصائر الدرجات ص 507
وفي قصة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد عندما افحمه في مسالة الامامة جاء ضمنها:
قال هشام : فقلت له : فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟ قال : نعم ، قلت : لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟ قال : نعم ، فقلت له : يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح ويتيقن به ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم ، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ، ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك ؟ ! الكافي ج1 كتاب الحجة ص 170
عن محمد بن عمارة ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال frown رمز تعبيري إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بامام حتى يعرف ). الكافي ج1 كتاب الحجة ص 177
وحتى الايات القرانية و الروايات التي جاء فيها ذكر الاوصاف و الشروط الواجب توافرها في القيادة الدينية ، فان قصد الائمة (ع) منها انطابقها على شخص واحد في كل زمان، فهم يطلقون الشرائط لكنهم يعنون منها واحد، وهذه الطريقة سارية المفعول عند العرب.
عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قول الله تبارك وتعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) فقال : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المنذر وعلي الهادي ، أما والله ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة . شرح اصول الكافي ج5 ص 168.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43
ووردت الروايات في شرح هذه الاية ان اهل الذكر هم اهل البيت (ع)..
وكذلك استخدم رسول الله (ص) هذا النمط في وصف اهل البيت (ع) وان الحق فيهم..
رابعا : ان العقل والعرف يفرض ضرورة وحدة القيادة الدينية ، قال سبحانه وتعالى : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الأنبياء22
وقال الحكماء في دليلهم على توحيد الله : لو كان في الوجود واجبي وجود للزم منه فساد النظام، وبما ان النظام قائم اذا لا وجود لواجب وجود غير الواحد القهار، والدليل نفسه يمكن انطباقه بدرجة كبيرة على موضوعة وحدة وتعدد القيادة الدينية. فالجميع يشهد اليوم وجود التضاربات والتقاطعات الواقعة في المجتمع نتيجة لتعدد اراء القيادات الدينية، وبكل تأكيد هذا ما لا يريده اهل البيت (ع).
نعم لا بأس بتعدد المجتهدين والعلماء فهي حالة ايجابية وصحية في المجتمع ودليل نضوج المجتمع، لكن شريطة ان يسير الجميع تحت رعاية المرجع والولي الذي يحكم الامة وبطبيعة الحال هو الافضل علما وخلقا وحكمة ومعرفة بخبايا الامور وان يكون عارفا بزمانه حتى لا تهجم عليه اللوابس.
خامسا : هناك روايات وردتنا عن طريق كتب اهل السنة: ( اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم). (تفسير الرازي ج25 ص 217 اضواء البيان ، الشنقيطي ج7 ص 317 وغيرهما) واحاديث مشابهة. والغرض منها واضح، هو ان يجعلوا مصادر لاخذ الاحكام والتعاليم من اشخاص غير اهل البيت (ع). وارادوا بذلك جعل القضية فضفاضة ليدخل فيها من هب ودب مهما ارتكب من افعال مشينة. وقد عرض هذا الامر على الائمة (ع) وخصوصا الامام الرضا (ع) فكان جوابه:
سئل الرضا عليه السلام عن قول النبي ( ص ) : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وعن قوله عليه السلام : دعوا لي أصحابي فقال عليه السلام : هذا صحيح يريد من لم يغير بعده ولم يبدل قيل : وكيف يعلم أنهم قد غيروا أو بدلوا ؟ قال : لما يروونه : من أنه ( ص ) قال : ليذادن برجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الإبل عن الماء فأقول : يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : بعدا وسحقا لهم افترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل . عيون اخبار الرضا (ع) الشيخ الصدوق ج3 ص 91
وقد رفض الشيعة هذه الاحاديث : (والجواب عن هذه الأحاديث ونظائرها ؟ بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه حديث موضوع مكذوب باطل ، وقال أحمد : حديث لا يصح ، وقال البزار : لا يصح هذا الكلام عن النبي ( ص ) ؟ ان هذه الروايات لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها ، ولا دلالة للبعض الآخر على المدعى . وأول ما يرد على الرواية الأولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالاقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة ان يعبدنا الشارع بالمتناقضين ، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تأريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث . وحسبك ان سيرة الشيخين مما عرضت على الإمام علي ( ع ) يوم الشورى ، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك). السنة في الشريعة الاسلامية، محمد تقي الحكيم، ص 24.
ومن هذا الجواب اقول: فهل يصح ان يصدر عن المعصوم ارجاعنا الى المتناقضين؟ فهناك من المراجع من كفر اخر، وطعن بطهارة مولده، واستغاب وشارك في قتل مؤمنين… والقائمة تطول..