ذلك يخوّف الله به عبادَه … يا عبادِ فاتقون

يُحشر الظالمون على شفير جهنم.. فيعاينوها ملياً ..
هاوية سحيقة.. يحطم بعضها بعضاً من الغضب.. والنار تفور منها
(إذا رأتهم من مكان بعيدٍ سمعوا لها تغيّظاً وزفيراً)..
واقفون على حافّتها يرجع بعضهم إلى البعض النظرات خاشعين من الذلّ، يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليصبروا أياماً قلائل من الطاعات ويكفّوا شرهم وظلمهم عن الناس ..
(يومئذٍ يتذكّر الإنسان.. وأنّى له الذكرى! يقول: يا ليتني قدّمتُ لحياتي)
فيقال لهم: (أليس هذا بالحق؟) (أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون؟)
يمكثون ما شاء الله من الزمان على حافتها… ثم يؤمر بإلقائهم في جهنم.. خالدين فيها، لا تنقضي الدهور فيستريحون من عذابها ولا يأملون بمنقذ يخلصهم من جحيمها..
هذا ولا زالت أنفسهم قذرة مما توغلوا فيه من الظلم في دار الدنيا لا يعرفون خسّتهم ومرضهم..
يتمنون الرجوع إلى الدنيا ويتعهدون بالعمل الصالح، ولو ردّوا لعادوا لما نُهوا عنه، إذ لا زال الشرّ في نفوسهم والكذب مترسخ فيهم.
يتوسلون ويعتبون في النار فلا يستمع إليهم سامع ولا يرأف بهم أحد لأنهم لم يعرفوا الرأفة في الدنيا بعباد الله، (فإن يصبروا فالنار مثوىً لهم.. وإن يستعتِبوا فما هم من المعتَبين..).
يطلبون أن يخَفَّفُ عنهم العذاب ولو يوماً واحداً..
ويتوسلون إلى أهل الجنة أن يفيضوا عليهم شيئاً من الماء الذي عندهم، فيقولون لهم أهل الجنة: أن هذا الماء كان متاحاً لكم في أيام الدنيا وبعث الله إليكم أنبياءه ليدعوكم إليه فرفضتم شربه وكذّبتهم بهم، واخترتم ما أنتم فيه من العذاب رغم تحذير الأنبياء لكم..
فيمكثون ما شاء الله من الزمان في العذاب الأليم يلوم بعضهم بعضاً، (هؤلاء الذين أضلونا.. ) أنتم (كنتم تأتوننا عن اليمين.. بل لم تكونوا مؤمنين.. وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين.. فحق علينا قول ربنا..).
ثم يتمنون من طول العذاب وشدته التي لم يروا مثلها من قبل من حرق الجلود واستبدالها وتعدد أسباب الموت ولا يموتون معها، ومن الذل والخزي أمام جميع الخلائق وأمام الذين كانوا يحترمونهم في الدنيا ويقدسونهم… يتمنون من كل ذلك أن يُقضى عليهم ليستريحوا من العذاب والخزي إذ يصلون إلى كره ذواتهم أيما كره.
ثم ينادون خازنَ النار (يا مالك ليقضِ علينا ربك..) فيمكث ما شاء الله من الزمانلا يرد عليهم، ثم يجيبهم: (إنكم ماكثون) فيسكن صراخُهم وتلذُّعهم بالحميم فينصتون إليه .. ويخبرهم سبب مكوثهم بالعذاب.. ألم تكن آيات الله تتلى عليكم وبيانه تتلاحق لكم فكنتم بها تكذبون؟ وكيف كانوا يسخرون من الذين اتقوا ويعذبون الخلق ويذلّونهم.
ثم تُبيّن لهم الملائكة سبب عذابهم وما فعلوه في الدنيا من ظلم المؤمنين ومن شدة عصيانهم وتمردهم..
يتبين لهم كل ما عملوا من القبائح … فيتفكرون فيها أحقاباً .. حتى يدركوا أنهم مستحقون لهذا العذاب.. فيوطّنوا أنفسهم على الصبر على ما هم فيه، ويعلمون أنهم مستحقون لذلك العذاب.. فيتلذذون بالنار من مقت أنفسهم وكرهم لذواتهم.. فلو أخرجتهم بعد ذلك من النار لاختاروا العودة إليها وتعذيب أنفسهم بما هو أشد منها.. بعد ما رأوا رجز ما كانوا عليه وسواد سريرتهم التي لا يطهرها عذاب النيران طيلة الدهور…
اللهم إني أعوذ بك من الرغبة في تعذيب النفس وحب الحزن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار