
اليمن بين حامل المسك ونافخ الكير ((اليعقوبي نموذجا))
يقول الله تعالى فى محكم تنزيله : (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( 9 ) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات .
فى البداية نحب أن ننبه أن ما يحدث فى اليمن شر، وهذا الشر مصدره التكالب على السلطة وشهوتها، ربما الدافع عند البعد هو المظلومية التى وقعت عليهم عبر سنوات، ولكن المظلوميات لا تدفع بالتكالب على السلطة والحرص عليها، ودفع المظلومية لا يمكن ان يكون بتكفير كل طرف للاطراف الاخرى، وأن لا نرفع فى وجوه بعض آي القرآن المنزلة فى حق الكافرين والتي تبرر الجهاد، فالصراع فى الوطن، لا يمكن ان ينحرف بنا او نحرفه الى صراع على الوطن .
للاسف هذا ما حدث فى اليمن، فقد حرفت كل الفصائل صراعها فى اليمن الى صراعها على اليمن وبحثت كل طائفه عن داعم اقليمي ودولي حتى انفض الجميع من على طاولة الحوار الى الحوار المسلح، والاطاحة بالسلطة وتترس كل طرف خلف بندقيته وخلف سلاحه .
وهذا الشر المفروض كان لا بد ان يواجه بقوة من اجل اجبار كل الاطراف على العودة الى طاولة الحوار، وحتى لا نكرر تجربة العراق بان نستدعي التدخل الاجنبي، ورفعت بعض الدول العربية بيدي لا بيد عمرو، وربما ما يثير اللبس أن بعض هذه الدول كانت سبب مباشرا أو غير مباشر إلى ما وصلت اليه الاوضاع فى اليمن، ولكن من قال أن السياسة تدار بالانتقام وعدم المغفرة … السياسة فن الممكن وفن التعايش والاستمرار.
وما حدث فى اليمن من القديم وحتى قبل الشهر الماضي يجب أن ينتهي ويجب أن يعود كل الفرقاء الى طاولة الحوار حرصا على وحدة الشعب اليمني وحقنا للدم اليمني وحتى لا نتشعب الى فرق وجماعات متناحرة متقاتلة .
اليعقوبي فى قلب الحدث :
المرجع اليعقوبي الذى يرى ان على الفرقاء أن يكونو احرص على مصلحة الوطن وأن دحر الارهاب لابد ان يكون ((إن تطويق ودحر الارهاب وإفشال المخططات المعادية للعراق وشعبه لا يتم إلا بتوحيد صفوفنا والانتقال بالعملية السياسية الى الحالة التي يطمئن اليها كل مكونات الشعب ويشعر فيها بكرامته والعيش بسلام وأمن وحرية, وهذا استحقاق انساني ووطني لكل مواطن , ويجب على الجميع السعي لتحقيقه ولا يمثل هدفاً صعب المنال مع تحقق الارادة الجدّية والاخلاص وحب الشعب والبلد الكريم)) 16/6/2014
فالعنف بين شركاء الوطن من وجهة نظره محرم ومجرم ولا يحتاج الى تجربة (( لقد جرّب الجميع – وان كانت المسألة لا تحتاج الى تجربة لإجماع العقلاء على معرفة النتائج- ان حالة الاحتراب وتجييش كل فئة لشارعها لا يخدم احداً من هذا البلد وهو يحقق مآرب اعداء العراق والطامعين فيه والساعين لتمزيقه واضعافه وقد استُخدِمتْ التنظيمات الارهابية المعادية للحياة والانسانية كأداة لتنفيذ تلك الاجندات والسيناريوهات المؤلمة. [ الخطاب السابق ونفس التاريخ]
ورغم أن الموقف فى اليمن موقف شائك جدا، يحاول البعض أن يلبسه ثوب الطائفية والمذهبية وحرب الابادة والعدوان وان يصب الزيت على النار فى اتهم طرف على حساب طرف آخر عمل سماحته غلى أن ينظر الى الامور بعين صاحب المسئولية وحامل المسك ….
ويرى سماحته أن ما يحدث فى اليمن ((شر)) ونسأل الله أن ينجنا منه، لهذا فمع اعلان وقف العمل العسكرى قام سماحته باصدار بيان على الفور؛ اعتقد أن الجميع كان فى انتظاره …
قال فيه : تعّبر المرجعية الدينية في النجف الاشرف عن سرورها بوقف العمليات العسكرية في اليمن الشقيق ابتداءً من اليوم الاربعاء ونشكر كل الاطراف التي ساهمت في تحقيق هذا التقدم من خلال الجهود الدبلوماسية سرا وعلناً، وكان للمرجعية دور يعرفه المطّلعون عليه ولم يكن بوسع الجهات النافذة والمؤثرة في القضية اليمنية تجاوز هذه المواقف وإهمالها.22/4/2015
فسماحته يزف الفرح بتوقف هذا الشر، وكان وصفه دقيقا نابعا من رؤيته ان ما يحدث فى اليمن ليس حربا بين حق وشر وبين مجرم وصاحب الحق بل بين اشقاء فى الوطن وبين حريصين على الوطن واليمن جميعا، ولهذا كان الجميع يعمل ليل نهار من اجل اقناع كل الاطراف ان يدعو الحوار بالسلاح من اجل العودة الى الحوار على موائد التفاوض .
ويجب ان يكون التفاوض حلا وحيدا يرضى كل ابناء اليمن والمتصارعين فيه :
ونتطلّع لوصول الأطراف السياسية الممثلة للشعب اليمني الى حل عادلِ ينصف جميع المكونات عبر حوار صادق شفاف .
سماحته يتحدث بعقل ورشد، لم يتحدث عن عدوان وجرائم ابادة و اتهام لهذا الطرف او ذاك لانه يدرك أن الجميع بما فيهم من يحمل السلاح حريص على مصلحة شعبه وامته وربما اخطا فى الوسيلة ولهذا يقدم للجميع النصح بقوله :
ان المحنة التي مرَّ بها الشعب اليمني والكوارث التي نجمت عنها لهي دليل أكيد آخر على ان الحرب والعنف هو سلاح العاجز عن استعمال الحكمة والتعقل في معالجة المشاكل ويذهب ضحيته الأبرياء والبؤساء، فانّا لله وإنّا اليه راجعون. 22/4/2015
سماحته رجل من طراز فريد، لم يعتمد خطاب الاثارة الفج، ولا التحريض المقيت، ولا التنادي بالاثم والعدوان، ولكنه يدرك من جانب مسئوليته ووعيه الدينى والاخلاقي أن حوار السلاح والعنف، هو سلاح العاجزين، وأن العقلاء والرشداء والمؤمنين لهم وسائل امضى وانجع وافضل من تلك الوسائل وهى ((الحكمة)) و((التعقل)) و الحوار .
إن هذا لموقف المسئول من جانب مرجعية النجف الرشيدة المتمثلة فى سماحة الشيخ اليعقوبي تقدم رؤية اخلاقية يجب ان يتحلى بها الجميع وهو ترك حوار السلاح والعنف والتحريض الذى تمارسه جهات وهيئات وشخصيات ما كان لها ان تتخذ هذا المسلك لانه لا يتناسب مع قيمتهم الاخلاقية والروحية.
((اليعقوبي)) يقدم نفسه فى الفضاء والصراع العربى بصفته ((حامل المسك)) فى مقابل ((نافخ الكير)) فهل يفهم العقلاء والرئداء ماذا يجب علينا ان نفعل فى الازمات والنوازل اقتداء بمراجعنا وقاماتنا الروحية ؟!!
فهذا هو الفرق بين حامل المسك ونافخ الكير