حلويات رمضان.. نكهة العيد المبارك

يرتبط رمضان عند المسلمين بفريضة الصوم التي تتعلق في ظاهرها بالامتناع عن الطعام منذ الفجر وحتى المغرب، وفي باطنها تهدف لترويض النفس على معاناة الفقراء ومجاهدتها والانقطاع الى الخالق “عز وجل” من اجل كسب رضاه وتنفيذ ما امر به من اعمال الخير وتلاوة القران والصلاة وصلة الرحم واخراج الصدقات، مع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ربح وفير

ويتهيأ البيت البغدادي لاستقبال شهر الصيام بتقديم مجموعة من الاطعمة والحلويات والشرابت لاعانة الصائمين على تحمل مشاق العمل، خلال ساعات النهار الطويلة مع ارتفاع حرارة الجو، فيما تتسابق محال الحلويات لتقديم اشهى انواع البقلاوة والبرمة والزلابية وزنود الست، وربما تكون باسعار مغرية باعتبار ان الارباح التي تجنى في موسم رمضان لدى محال الحلويات تعادل ارباح عام كامل من العمل والانتاج.

ومع دخول رمضان ايامه العشرة الاخيرة تجتهد ربات البيوت بصنع “الكليجة” وهي معجنات محلاة تحشى بالتمر او السمسم او الجوز او اللوز وتكون باشكال ونكهات مختلفة تميز صانعتها وبراعتها في عمل “الكليجة”، وتكون افضل وداع لرمضان واستقبال عيد الفطر المبارك.

 

مأكولات تعين الصائم

السيدة سندس نوري من منطقة الشواكة في بغداد، تقول: ان اهالي بغداد كانوا يستقبلون رمضان بالفرح والتهيؤ لتحضير افطار يسهم بتعويض الصائم عما فقده من مياه واملاح ولوقايته من الامراض، وادامة استمراره بالصيام ومزاولة الاعمال اليومية.

واضافت: ان العوائل البغدادية كانت ولا تزال تحضر شوربة العدس بشكل يومي عند الفطور بعد تناول التمر واللبن، ويضاف الى المائدة احد انواع المرق والتمن اوالتشريب، حسب المتيسر، الى جانب احد انواع العصائر كعصير الرمان او الرارنج اوالنومي بصرة اوالتمر هند اوالزبيب، مشيرة الى ان العائلة البغدادية تحضر ايضا انواعاً من الاكلات الخاصة في مناسبات لها خصوصيتها مثل “المشتهاية” وتقدم بمناسبة جرح الامام علي (ع) في 19 من رمضان، وهي عبارة عن شوربة “ماش” مع اللبن وتقوم العوائل بتوزيعها بين الجيران، وفي ليلة القدر ومولد الامام الحسن (ع) يتم توزيع الحلويات والمعجنات والزردة وحلاوة التمن والسمك مع التمن الاحمر، خصوصا من قبل اصحاب النذور وطالبي الاجر والثواب.

وتابعت نوري: ان نهاية رمضان تعني استقبال عيد الفطر، وفي هذه الايام تتهيأ العائلة لعمل انواع “الكليجة” التي تقتضي مشاركة جماعية من قبل عدة نساء، والكليجة بانواع منها ام التمر او السمسم او الجوز او اللوز او الحلقوم اذ يتم حشو تلك المحتويات في عجينة خاصة تخلط بنكهات ماء الورد او الهيل او حبة الحلوى، وتعد لتشوى في افران الصمون او باستخدام افران حديثة مرافقة للطباخات المنزلية، مبينة: ان الكليجة تعد هوية البيت وبراعة ربة البيت في صنعها واجادتها في مقادير الخلطات الخاصة بالدقيق والزيت والسكر والمواد الاخرى، لذا فان ربات البيوت يتباهين بالكليجة التي يعدنها والتي تحوز على رضا الاغلبية.

حلويات بانواع مختلفة

ويتزاحم المواطنون قبيل الافطار وبعده، امام محال الحلويات المشهورة بتقديم انواع من زنود الست والبقلاوة والكنافة، لما فيها من فائدة وطعم لذيذ يرغب الصائم بتذوقها بعد الافطار.

ابو عمار (43) عاما قضى نصف عمره كعامل اولا ثم “خلفة” وبعدها “اسطة” في اشهر افران ومعامل انتاج الحلويات في شارع فلسطين والكرادة والاعظمية والمنصور، يؤكد ان رمضان المبارك عندما يكون في فصل الصيف فان الاقبال على تناول الحلويات يكون ضعيفا، مشيرا الى ان رمضان عندما يكون في الشتاء فان الاقبال على شراء الحلويات يرتفع الى اضعاف وان “صواني” البقلاوة تنفد بسرعة.

وعن اشهر انواع الحلويات المصنعة في الافران خلال رمضان، قال ابو عمار: ان البغداديين اعتادوا على البقلاوة المحشاة بالجوز او اللوز، كذلك انواع “البرمة” والزلابية والسمبوسة والدهين وزنود الست وعش العصفور والكنافة والشعرية واللوزية والجوزية وحلاوة الجزر، والقطايف، وغيرها، وجميع هذه الانواع من الحلويات تحشى بالجوز والفستق الحلبي او الجوز او جوز الهند وتقلى بالزيت مع نكهة الدهن الحر. موضحا: ان الدهن الحر الاصلي الحيواني اثبت مضاره الصحية، وعليه لايتم استخدامه منذ اكثر من (20) عاما، فضلا عن ارتفاع سعره. ويستذكر ابو عمار ايامه في صناعة البقلاوة قائلا: انه كان يعمل في احد محال الحلويات بشارع فلسطين وصادف رمضان في الشتاء في وقت كان دخل الفرد العراقي جيداً، ما اجبر العمال على المبيت يوميا في المحل لتحضير صواني البقلاوة وزنود الست لكثرة الطلب عليها، رغم رفع اسعارها بنسبة (10%).

 

البقلاوة حاضرة رمضان

فضلا عن جميع الصفات الجميلة التي تميز رمضان وحزن الصائمين على فراقه، الا انه يترك ذكرى طيبة، لاسيما في اذهان الاطفال.

الباحث في التراث البغدادي، فؤاد العبودي، يقول: ان ذكريات رمضان في ايام الستينات تعني البقلاوة والزلابية لدى الصبيان، مؤكدا على ان تناول هذه الحلويات يعد طقسا مهما في رمضان، ومستغربا في الاشهر الاخرى. واضاف: ان تكاتف العوائل وبيوتات المحلة الواحدة من اجل مساعدة بعضها البعض، وصلة ذي القربى والفقراء والمحتاجين تتجسد في رمضان بشكل بارز طلبا لكسب الاجر، في نفس الوقت كانت الجوامع والحسينيات تجتهد في تنظيم دورات لحفظ القرآن للصبيان والبنات، اذ يتم توزيع الهدايا على المتميزين منهم خلال احتفال خاص يقام في ليلة القدر يوم (27) من شهر رمضان.

وتابع العبودي: ان “صواني الكليجة” كانت من ابرز معالم انتهاء رمضان وقرب قدوم عيد الفطر المبارك، حيث تتقاطر تلك “الصواني” التي تحمل على رؤوس الاطفال الى افران الصمون لغرض شيها، مقابل مبلغ زهيد من المال وبضع قطع من “الكليجة” لصاحب الفرن والعمال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار