سلسلة حكايات من بلادي ـ قصة قصيرة ( الــــهـــــــدف)

إيمان وسحر طالبتان في المرحلة الإعدادية ..
إيمان تقرأ كثيرا .. فهدفها أن تصبح طبيبة في المستقبل .. لتسدّ حاجة البلد إلى الطبيبات .. ولتشرف بنفسها على معالجة المرأة .. فهي لا تريد أن ترى رجلا يكشف على امرأة ..
فتقرأ وتقرأ .. ولا تضيّع من وقتها دقيقة .. 
أما سحر ..
فتحمل حقيبتها كل يوم باتجاه المدرسة .. برغبة أو من دون رغبة .. ولا تدري بالضبط لماذا تدرس .. لم يبين لها أحد لماذا تذهب إلى المدرسة .. ربما لقضاء الوقت والثرثرة .. وربما للالتقاء بالزميلات والتحدث معهن عن آخر الأزياء والأغاني .. وربما وربما .. وتعود إلى بيتها لتستلقي أمام التلفزيون بلهفة وتبدأ مشوارها الطويل في متابعة قنواته وفقراته ..
فيلم بعد فيلم .. وحلقة بعد أخرى .. ومسلسل تتلوه مسرحية .. بنات الأكابر .. ليالي دمشقية .. دعوني أتكلم .. مشاهد مضحكة .. وركن المطبخ .. وإعداد الكيك والحلويات.

*****************************
وقت الإفطار يقترب ..
إيمان على سجادتها باتجاه القبلة .. تدعو والدموع تغطي وجنتيها :
( اللهم تفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة .. وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة .. وعلى المستمعين بالإتباع والموعظة .. وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة .. وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة وعلى الشباب بالإنابة والتوبة .. وعلى النساء بالحياء والعفة..) … وتدعو وتدعو…
وسحر مشدودة إلى التلفزيون والريموت بيديها .. وهي تتنقل من قناة إلى قناة .. ومن فضائية إلى أخرى .. ومن فيلم إلى مسلسل.

********************
أذان الإفطار يرتفع ..
إيمان تسجد شكرا لله الذي أعانها على الصوم وسدد خطاها .. وسحر تلتهم الطعام وتعبّ الماء .. وتكاد تغصّ وهي تفترس بنهم كل ما يصادفها على السفرة ..
إيمان تركع .. وسحر تأكل ..
إيمان تسجد .. وسحر تشرب ..
إيمان تتشهّد وتسلّم وتتجه نحو مائدتها المتواضعة ..
وسحر تستلقي بكسل متخمة .. وعيونها على القنوات وأصابعها على الريموت ..

*******************
بعد الإفطار بساعة
تطالع إيمان دروسها .. فتقرأ وتكتب وتحفظ المزيد .. ولا تنسى قبل أن تنام أن تقرأ ما تيسر من كتاب الله .. كما عودها أبوها في كل ليلة ..

***************
قبيل الفجر
تستيقظ إيمان بهدوء .. تجهّز السحور ثم توقظ أمها وأباها وتنصرف بصمت نحو سجادتها .. وتقف بين يدي جبار السموات وتسأله الستر والعافية .. وأن يهبها مستقبلا مشرفا يليق بها كمؤمنة تنتمي لآل محمد ..
وسحر في عاشر نومة ..
تشخر وتشخر .. وأمها تلاقي الأمرين في إيقاظها للتسحّر .. فالسهر والتخمة والمسلسلات المدبلجة أحالت رأسها إلى طبل وهاهي الآن تترنح .. وأمها تساعدها على النهوض لتأكل شيئا قبل أن يصيح المؤذن ..

******************
إمساك يا صائمين .. إمساك يرحمكم الله ..
تتلقاها إيمان بفرح .. وتتمنى أن يكون العمر كله رمضان .. فما هذه الحياة إلا امتناع عن المشتهيات ثم الإفطار هناك على مائدة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ..
وسحر تحزن .. تتألم ..
وتتمنى أن يكون الليل في أوله لتبحر من جديد في عالم المأكولات..

************************
بعد خمس سنوات ..
إيمان طبيبة في مستشفى الولادة .. تشرف بنفسها على استقبال الأجيال الجديدة .. وسحر ربة بيت تقسم وقتها بين الستلايت والمطبخ ..

****************
بعد خمس سنوات ..
إيمان تلقي محاضراتها صباحا في كلية الطب .. تحثّ الطبيبات الجدد على التواضع أمام المريضات والسعي لخدمتهن بفرح .. وتستقبل عصرا عشرات البائسات اللواتي ينتظمن ببابها في طابور طويل ثم يخرجن من عيادتها معجبات بصبرها وحنانها .. وبقلبها الرحيم كأم .. وهي تصغي لكل همّ ووجع .. وتسأل عن الحال والأولاد .. راضية بأقل ما يُعطى .. في وقت كثر فيه الأطباء المرضى .. الذين يعانون تصلبا في شرايين الضمير وهم بحاجة إلى العلاج أكثر من مرضاهم ..
وسحر تشترك في كل ليلة بمشاجرة مع إحداهن عبر الهاتف .. تهاجم هذه وتغتاب تلك .. وتهزأ بالفقيرات ومن لا يواكبن الحضارة !!

*****************
بعد خمس سنوات
إيمان في ضيافة فضائية شهيرة عبر برنامج ( الهدف ) .. الذي يتابعه ملايين الناس في كل أنحاء العالم .. تتحدث فيه بهدوء وتمسح دموع النجاح .. وتشكر الله أمام الجماهير وهي تشرح خطوات كفاحها في الحياة وبدايتها مع الله والكتاب والمعرفة .. وتبين ما جنته من تواضعها مع البسطاء واحتضانها المستمر للمحرومات .. وإلى جانبها في الأستوديو زوجها النبيل أكرم .. الذي اختارته بذكاء من بين كل الذين طلبوا يدها بعد التخرج ..
فكان حقا كما أرادت ..
سندا لها في الحياة ..
ورفيقا لها في الدرب ..
وشريكا لها في كلّ ما حققته من نجاح. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار