
الثــــورة المعنوية واثـــارها فــــــي هـــــــــــز عـروش الطغـــاة الامام الكاظم ( عليه السلام ) نموذجا
يشكل مصطلح الثورة المعنوية في مفردتيه هاجسا لطالما ارهق تفكير الحكام الظالمين ، فعلى مر التاريخ اطلعنا في صفحاته على ثورات قامت بتعبئة جماهيرية من قبل المصلحيين عبر تربية الفرد معنويا ، ولكن في حياة الامام موسى الكاظم عليه السلام نجد فيها الثورة المعنوية ذات طابع خاص في كل مضامينها ، من حيث الشخص حيث كان الامام مثالا للداعية الصامت من خلال سلوكه في تغيير الامة على مستويين وهما : اولا : من خلاله سلوكه العملي ، الذي انجذب اليه القاصي والداني ، بل حتى الخليفة نفسه ، الذي انجذب لسحر الامام الملكوتي . فقد اتفق واصفو الامام بانه كان اعبد اهل زمانه وازهدهم في الدنيا وافقههم واسخاهم كفا واكرمهم نفسا . وجاء في كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي انه كان سخيا كريما يصر ثلاثمائة دينار واربعمائة دينار ويخرج بها ليلا يوزعها على بيوت المحتاجين وكان يضرب المثل بصراره . وغيرها من المرويات الكثيرة التي تعرضت لما كان يتمتع به من خلق رفيع وسخاء وصبر على الشدائد وزهد في الدنيا ومغرياتها . ثانيا : دعوته المباشرة لبعض الاشخاص منهم من اصبح فيما بعد من افضل خواصه واصحابه مثل علي بن يقطين وزير هارون العباسي. حيث نصحه الامام عليه السلام بالبقاء في منصبه من اجل قضاء حوائج الناس من الشيعة ، بعد ان طلب بن يقطين من الامام عليه السلام من ترك المنصب والبلاط العباسي فرفض الامام ذلك . فالإمام يجيز للبعض ان يتولى بعض المهام في جهاز سلطة هارون، فقد كان يرى في ذلك مصلحة من الناحية السياسيّة، فينتدب اشخاصاً ليحتلّوا بعض المناصب في حكومة الارهاب و الرعب والقتل والظلم لينفعوا الشيعة من ناحية، وليتعرّف عن طريقهم على بعض المكائد التي تحوكها الحكومة الجائرة ضدّ العلويّين. ومثال ذلك هذه القصّة لعلي بن يقطين عندما أراد الاستقالة من منصبه في بلاط هارون فانّ الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يسمح له بذلك. وايضا من بعض خواصه نذكر بشر الحافي ذلك الانسان الذي يعتبر من اصحاب المجون الا ان الامام عليه السلام وحسب القصة المعروفة قد غير مسار هذا الشخص الى انسان عابد وزاهد . كذلك من خواصه وأصحابه المقربيّن صفوان بن مهران الذي عد من جل ثقات ورواة الامام الكاظم عليه السلام ، فقد أثر عنه (عليه السلام) قوله لصفوان: انّك جيّد من جميع الجهات، سوى أنّك تؤجّر جمالك لهارون. فقال صفوان: اننّي أؤجرها له للسفر الى الحج، وأنا ايضاً لا أرافق تلك الجمال. فقال الإمام: ألا تحبّ ـ لهذا السبب ـ ان يبقى هارون على قيد الحياة حتّى العودة من مكّة على أقلّ تقدير، لكيلا تخسر الجمال؟ ولكي يعطيك الاجرة؟ أجاب: نعم. قال الإمام: كلّ من يحبّ بقاء الظالمين فهو يعدّ منهم اما من اثر سحر الامام عليه فابرزهم هم سجاني الامام عليه السلام ومنهم والي البصرة وهو عيسى بن جعفر بن ابي جعفر المنصور وهو حفيد المنصور الدوانيقي ، وكانا شخصا ماجنا معاقرا للخمر ومن عشاق الرقص والغناء ، الا ان هذا حاله انقلب للأمام فاحسن التعامل مع الامام بعد ان رأى منه ما رأى ، حيث رأى منه انه رجل معنويات وتوجهات روحية خالصة ، لذلك وضع دارا حسنة التأثيث تحت تصرف الامام الكاظم عليه السلام واخذ يعامله بالتجليل والتكريم بصورة رسمية ، حتى انه رفض تنفيذ اغتيال الامام الكاظم بعد ان ارسل له هارون العباسي رساله يأمره بذلك ، ورد عليه بجواب يأمر باسترجاع السجين منه والا فانه سوف يطلق سراحه فاستجاب هارون لذلك . كل ذلك وما لم نذكره للاختصار يجعلنا نستنج سبب وضع الامام الكاظم عليه السلام في مطامير السجون ومن بعد ذلك اغتياله بالسم ، السبب هو ان الامام كان بالنسبة الى السلطة هو ثورة معنوية بحد ذاتها تحرك المجتمع بالضد في قلب نظام الحكم ، مع اننا لم نسجل موقفا علنيا للأمام يدعو شيعته لذلك ، بل حرص الامام على شيعته حتى من اللقاء به خوفا منه عليهم . والاكثر من ذلك دعى خواصه من المحدثين والرواة بان يرووا عنه ولكن ليس باسمه فتاره يروون عن ابا ابراهيم او العبد الصالح وغيرها . اذن الامام الكاظم عليه السلام في شدة تقيته يعطينا درسا كبيرا في معنى التقية والتي لا يجب ان تكون سكوتا او خنوعا للظلم ، بل ان يكون الانسان المسلم عاملا متحركا يحدث التغير في مجتمعه بسلوكه المنتمي الى الاسلام المحمدي . فالتقية في هذا المورد يجب ان تكون ثورة معنوية في مواجهة الظلم والانحراف ، فتاريخ الائمة عموما يحكي عن حالة المقاومة الايجابية المستمرة التي كانوا يعيشونها ، ويورد لنا احد المفكرين الاسلاميين وهو الشهيد مرتضى مطهري هنا كلاما حول مفهوم التقية حيث يقول ” التقية ليس المقصود منها السكون وانعدام التحرك والاكتفاء بالمعارضة القلبية ، فالتقية مثل كلمة تقوى كلاهما مشتقتان من مادة (تقوى) ولكن التقوى هي تجنب العقاب الالهي عن طريق الابتعاد عن المعاصي ، بينما التقية هي تجنب بطش السلطات الظالمة ، وذلك عن طريق المقاومة الخفية والدفاع المستتر عن النفس “. اذن الامام الكاظم عليه السلام كان نموذجا حقيقا لمعنى مصطلح الثورة المعنوية في مواجهة الظلم والانحراف .