قراءات انتخابية (١١)

يحاول بعض السياسيين خداع الرأي العام في العراق وتضليله بالقول ان الشعب هو الذي يختار رئيس مجلس الوزراء، عبر صندوق الاقتراع، محاولا استغلال جهل الشارع في حقيقة الانتخابات النيابية ودور الناخب وموقع النتيجة التي يفرزها صندوق الاقتراع وآلية تشكيل الحكومة بعد كل عملية انتخابية، في تحديد هوية مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عددا) وتسميته.
ما دفعني للحديث عن هذه النقطة تحديدا، هو الترويج الهائل للفكرة والذي تعج به وسائل الاعلام الحزبية هذه الايام على لسان بعض السياسيين، وهم بهذا يعمّشون الخبر على الناخب، الذي يجب عليه ان ينتبه جيدا فيعرف ماذا ينتخب؟ ولماذا؟ وما الذي ستبنيه النتائج التي ستتمخض عن صندوق الاقتراع؟.
يجب على الناخب ان ينتبه الى الحقائق التالية:
اولا: انه سينتخب أعضاء مجلس النواب فقط، وليس اي شيء آخر من مؤسسات الدولة العراقية، فهو لا ينتخب رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس الوزراء، ولا اي مسؤول اخر، انه ينتخب نوابه ووكلاءه تحت قبة البرلمان فقط لا غير.
ثانيا: ان مجلس النواب هو الذي ستنبثق عنه بقية مؤسسات الدولة، كرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والدرجات الخاصة ومختلف الهيئات المستقلة، وكذلك القضاء بكل تشكيلاته وغير ذلك.
ثالثا: ان عملية اختيار رئيس مجلس الوزراء، تحديدا، لا دخل لها بحجم القوائم الانتخابية ابدا، لان عبارة (الكتلة النيابية الأكثر عددا) الواردة في المادة (٧٦) في الدستور، والتي لها الحق حصرا في تسمية رئيس مجلس الوزراء، فسرتها المحكمة الاتحادية العليا بان المقصود منها هي الكتلة التي تتشكل تحت قبة البرلمان، ولم يقصد بها الكتلة التي يفرزها صندوق الاقتراع.
بمعنى آخر، فان العملية الانتخابية وصندوق الاقتراع لا تفرزان الكتلة النيابية الأكثر عددا ابدا، ولذلك فليس لها اي تأثير في تحديد هوية المرشح لرئاسة مجلس الوزراء.
ولتوضيح الفكرة اكثر، لنفترض ان احدى القوائم الانتخابية المتنافسة حاليا في الانتخابات النيابية القادمة، والتي ستجري نهاية هذا الشهر (نيسان) قد حصدت على اكثر المقاعد وتفوقت على بقية زميلاتها، فلو ان قصد المادة الدستورية كان ينطبق عليها، اي انها هي المقصودة بالنص (الكتلة النيابية الأكثر عددا) لكان ذلك يعني ان حق تقديم المرشح لتولي رئاسة مجلس الوزراء سينحصر بها فقط، ما يعني ان صندوق الاقتراع سيكون له، في هذه الحالة، الكلمة الفصل في تحديد هوية رئيس الحكومة، وبالتالي لجاز لنا القول باعتبار ان لرأي الناخب القول الفصل في انتخاب المرشح لرئاسة مجلس الوزراء، الا ان الامر ليس كذلك، فقد تأتلف القائمتان (٢ و ٣) تحت قبة البرلمان لتشكلان ( الكتلة النيابية الأكثر عددا) المعنية بتسمية المرشح لرئاسة مجلس الوزراء، وبذلك فسوف لن تكون القائمة (١) هي المعنية على الرغم من انها (الأكثر عددا) كأٓفراز مباشر من صندوق الاقتراع، الا انها ليست كذلك تحت قبة البرلمان، ما يعني ان ليس لصوت الناخب اي تأثير في تحديد هوية رئيس مجلس الوزراء، عقب كل عملية انتخابية.
ان تفسير المحكمة الاتحادية العليا للنص الدستوري فتح الباب واسعا لتكريس المحاصصة، بعد الغاء التأثير المباشر لصندوق الاقتراع، كما انه فتح الباب واسعا للتأثيرات الإقليمية والدولية في عملية تسمية المرشح لرئاسة مجلس الوزراء.
لكل ذلك، لا اعتقد من الصواب والدقة بمكان القول بان رئيس مجلس الوزراء هو منتخب من قبل الشعب، فالتفسير المذكور أجهض الانتخاب الحر والمباشر لرئيس الحكومة من قبل الشعب.
كنت اتمنى ان يبقى المفهوم من النص الدستوري كما هو، من دون تفسير سياسي، كما حصل في المرة السابقة من قبل المحكمة الاتحادية، اذ لكنا اليوم امام حقيقة ان رئيس مجلس الوزراء يستمد شرعيته من الشارع مباشرة، فيكون أقوى وأشد شكيمة واقتدارا، كما هو الحال في الدول الديمقراطية التي تعتمد النظام البرلماني، فالأغلبية النيابية يفرزها صندوق الاقتراع بشكل مباشر، ولذلك فان مرشحها لرئاسة الحكومة ينبثق من صوت الناخب عبر صندوق الاقتراع مباشرة، ما يجيز لنا القول بانه يستمد قوته من الشارع مباشرة وليس من البرلمان، فتراه يعود اليه اذا ما اصطدم احيانا بالبرلمان، اما في العراق الجديد فلا دخل لصوت الناخب في تحديد هوية رئيس مجلس الوزراء، ولذلك لا يعود الى الشارع كلما اصطدم بالبرلمان، لانه سيسمعه يقول له (عد الى البرلمان وحاول ان تحل مشاكلك معه، فلسنا نحن الذين انتخبناك بإرادتنا الحرة المباشرة ابدا).
٨ نيسان ٢٠١٤
للتواصل:
E-mail: nhaidar@hotmail. com
Face Book: Nazar Haidar
WhatsApp & Viber: + 1 (804) 837-3920

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار