
قراءة في الفكر والموقف السياسي للشيخ اليعقوبي الحلقة الرابعة:-
خطبتا صلاة الجمعة في الصحن الكاظمي الشريف بتاريخ 22 صفر 1424هـ الموافق 25 نيسان 2003 :-
الخطبة الأولى:-
وكما هو المتعارف تكون الخطبة الأولى دينية وقد كان عنوانها الأساسي زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) رغم إنها هنا لم تخلو من إشارات سياسية منها دلالة الزيارة على تمسك الشعب بإسلامه العظيم وبخطه الأصيل رغم محاولات الإبعاد والتشويه والتمييع وكون الشعارات لم تقتصر على العناوين الدينية فقط بل كانت تعبر عن التطلعات والآمال والحقوق وهذا دليل وعي وكذلك التذكير بروح الوحدة والألفة والمحبة التي سادت أجواء الزيارة وأخيراً الإشادة بحسن التنظيم والسيطرة الكاملة على الأمن والاستقرار والنظام وتسيير الخدمات رغم غياب الدولة وسلطة القانون ونفهم من هذه الإشادة عدة أمور منها:-
1- انتقاد الحكومة العراقية في حينها وأجهزتها لعدم وجود دور ايجابي واضح لهم في تنظيم هذه الزيارة من الناحية الأمنية وتوفير الخدمات.
2-انتقاد الحكومة العراقية لكونها لم تنجح في تنظيم شؤون المجتمع والسيطرة على الأمن رغم إمكانية ذلك وبجهود اقل من التي بذلت لو كانت هناك نوايا صالحة وأدل دليل على إمكان شيء حدوثه كما يقولون فلو كان بسط الأمن والاستقرار غير ممكن لما تمكن منظمو هذه الجموع المليونية على قلة خبرتهم وإمكانياتهم من تسيير هذه الزيارة مع ضبط الأمن ومنع حدوث تجاوزات.
3-انتقاد للحكومة العراقية على رداءة الخدمات المقدمة للشعب وللزائرين.
4-التأكيد على قدرة الشعب العراقي نفسياً وعقلياً على إدارة نفسه بنفسه-خلافاً لما قيل ويقال- وتحت قيادة الحوزة الشريفة وان هذا الشعب يمتلك من القدرات ما يؤهله لان يقدم النموذج الحضاري الأرقى للبشرية لو أتيحت لكوادره الكفوءة المخلصة أن تكون هي القائدة لمسيرة هذا الشعب.
5-تنبيه الحكومة العراقية –بل وكل حكومات العالم –على إن التوسل بالوسائل المادية وحدها لا يكفي بل يجب ملاحظة قوة العقيدة والإخلاص لدى الشعوب والتي لو سعت الحكومات بإخلاص لغرسها وتنميتها لحققت المعجزات ولتجنبت الكثير من المشاكل ولاختصرت الكثير من الجهود والوقت والأموال.
وفي نهاية الخطبة أكد سماحة الشيخ على إن هذه البركات حصلت بفضل الله تعالى ولبركة صاحب المناسبة الإمام الحسين (عليه السلام) الذي هو رمز وقدوة لكل الإنسانية .
الخطبة الثانية:-
تحدث سماحة الشيخ في هذه الخطبة عن الحوزة العلمية الشريفة ومن عدة جوانب أهمها:-
1-التركيز الإعلامي على الحوزة الشريفة في هذا الوقت بالذات على الرغم من مضي أكثر من ألف عام على تشكيلها –لا يعني هذا إن الحوزة لم تحض بحالات تركيز إعلامي في فتراتها السابقة وإنما التركيز الإعلامي وتسليط الأضواء أكثر الآن من أي وقت مضى-وعزا سماحته ذلك إلى أكثر من سبب –وذكر سببين فقط ربما لأهميتهما وربما للاختصار- هما:-
أ-الالتفاف الجماهيري الواسع والولاء المطلق الذي أبداه الشعب للحوزة العلمية –بعنوانها العام أولاً ثم تحول لشخوص محددة كان للسياسة دور في تحديدها-وتعبيره المستمر وبالفعاليات المختلفة –كما في الزيارات والمظاهرات والمناسبات الدينية- عن اعترافه بالحوزة على إنها قيادته والممثل الشرعي.
ب-المقدرة الجيدة للحوزة في إدارة أمور البلد وملء الفراغ الذي حصل بغياب الدولة وكان ما حصل في زيارة الأربعين-كما ذكرنا تفاصيل عن ذلك في قراءة الخطبة الأولى-خير شاهد على ذلك رغم إن هذه التجربة جديدة عليها ولم تمارسها من قبل.
وقد شجعنا قول سماحته(هذان الأمران وربما غيرهما دفع المراقبين والمهتمين بالساحة العراقية إلى إحاطة الحوزة العلمية بعناية خاصة ودراسة معمقة) إلى ذكر أسباب أخرى قد تكون جزء من العلة في ذلك وهي:-
ج-إن ضخامة دور الإعلام في العالم وضخامة أدواته وتعدد أنواعها قادت إلى بروز دور الحوزة العلمية بشكل أكثر وضوح وهو ما لم يكن موجوداً في أي زمن من الأزمنة السابقة.
د-إن الأحداث الأخيرة التي جرت في العالم وقادت إلى غزو العراق جعلت من العراق بلداً مهماً للإعلام ومادة دسمة يسيل لها لعاب المتصيدين لكثرة الأحداث وتداعياتها ولكون اللاعب الأساسي في تلك الأحداث هي الولايات المتحدة الأمريكية وهذا قاد بالتالي إلى الاهتمام بخصوصيات المجتمع العراقي ومنها تنوعاته المذهبية ووجود الحوزة العلمية الشريفة الذي لا يمكن تجاهله.
هـ-اغلب الساسة العراقيين الذين كان لهم دور كبير-بغض النظر عن سلبياته وايجابياته- في الساحة العراقية هم من أتباع الحوزة الشريفة –ولو ادعاءاً أو مماراةً للشعب-وبالتالي ابرز هذا الأمر دور الحوزة وتأثيرها وقاد إلى التركيز الإعلامي.
و-للحوزة العلمية الشريفة تاريخ عريق في التفاعل الايجابي والمشاركة الفاعلة في اغلب الأحداث التي مرت على المجتمع العراقي وهذا التاريخ غير خافٍ عن صناع الإعلام ومن يوجههم وهذا قاد بالتالي إلى التركيز على الحوزة إعلامياً قياساً إلى دورها السابق.
ز-اتخذ التركيز الإعلامي دوراً سلبياً في كثير من الأحيان من محاولات تسقيط أو تشويه لصورة الحوزة الناصعة.
ح-الكثير من محاولات التسقيط جوبهت من قبل الشعب العراقي بردود أفعال قوية قادت إلى تركيز إعلامي اكبر.
ولعل هناك أسباب أخرى لم نلتفت لها.
2-المسؤوليات التي تولدت للحوزة الشريفة بعد ملاحظة هذا التركيز الإعلامي:-
أ-تعريف نفسها للآخرين وإبداء ما تطلبه من أهداف ورؤى.
والتعريف يقصد به إعلامياً وبصورة واضحة دون أن يدع مجالاً للتشويه والتسقيط ويجب أن يتضمن التعريف عمل الحوزة وعلاقتها بالناس والسياسة وشخوصها وكل ما من شأنه أن يقود إلى تصور صور مغلوطة عن الحوزة ودورها فيما لو بقي مجهولاً.
والآخرين يقصد بهم كل من يجهل هذه الأمور عن الحوزة حتى لو كان شيعياً.
وإبداء الأهداف والرؤى واضح شريطة أن يأخذ زخماً إعلامياً ويكون بمنأى عن الفهم الخاطئ والتشويه.
ب-السعي الحثيث لتحقيق مطالب الشعب-طبعاً المقصود هنا ما اتفق عليه عقلاء الناس وكل ضروري لحياتهم وإلا فهناك مطالب لأفراد من الشعب لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تسعى الحوزة لتحقيقها كما لو كانت خلاف الشرع- الذي أدى ما عليه تجاهها-أي الحوزة وهذا أمر مهم جداً لم يقله بهذه الصراحة سوى سماحة الشيخ-وبقي ما عليها تجاهه.
وبعد ذلك يتحدث سماحة الشيخ عن تأسيس الحوزة وصفات من يقف على قمة الهرم الحوزوي-على حد تعبيره- وذكر جملة صفات لهم أهمها النزاهة والموضوعية ونكران الذات وضبط شهوات النفس والالتزام الكامل فكراً وسلوكاً بالشريعة المقدسة وهو ما نسميه بالعدالة-ذكر سماحته العدالة ولكن بلغة معاصرة- والثاني من الصفات الاجتهاد والثالث دقة النظر والإحاطة بالواقع الذي يعيشه ويساعده في ذلك مستشارون مؤتمنون ،وفي هذا إشارة واضحة لفكرة المرجعية المؤسسة التي نظر لها بعض العلماء ودعوا لتبنيها منهم على سبيل المثال السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله رغم وجود اختلافات بين طرح كل واحد منهم وقد صدر لسماحة الشيخ كتاب في هذا الباب بعنوان المرجعية من الذات إلى المؤسسة وقد خطى سماحته خطوات عملية كبيرة في هذا الميدان ولم يكتفي بالتنظير للموضوع.
وقد أشار سماحة الشيخ لاجتهاده بشكل صريح وعلني لأول مرة في هذه الخطبة المباركة بقوله (وبصفتي احد مجتهدي الحوزة العلمية في النجف الاشرف).
وكرر سماحته دعوته للإسراع بتشكيل حكومة مؤقتة تتصف بأنها وطنية حرة ذات إرادة مستقلة تنبثق بكل ديمقراطية عن مؤتمر يجمع كل القوى الفاعلة في الساحة العراقية التي تمثل الشعب بجميع تياراته وطوائفه وأعراقه وتكون من أهم أولويات هذه الحكومة إعمار البلد وإعادة الحياة الطبيعية إليه وتوفير الأمن والاستقرار ووضع الدستور والدعوة لانتخابات حرة نزيهة ودعا سماحته الحضور للمشاركة بمسيرة كبيرة تنطلق من ساحة المسرح الوطني فكان أن تحققت هذه التظاهرة –والتي عدت اكبر تظاهرة في تاريخ العراق الحديث- في يوم 25 صفر 1424هـ الموافق 28/4/2003 .
رشيد السراي
21 /8/2009