
قراءة في الفكر والموقف السياسي للشيخ اليعقوبي الحلقة الأولى:-
إرهاصات ما قبل الاحتلال
مع بداية سنة 2003 وقبلها بقليل بدأت إرهاصات الإعداد لاحتلال العراق واضحةً للعيان وكان الإرباك واضحاً في تصرفات النظام الصدامي البعثي الحاكم في حينها ومن هذه التصرفات قيامه-أي نظام صدام المقبور- بتجميع مجموعة من العلماء ووكلاء العلماء والشخصيات الدينية في النجف الاشرف لبيان رأيهم للشارع العراقي بخصوص كيفية التعامل مع الاحتلال القادم –للتاريخ حضر اغلب وكلاء المراجع المعروفين واغلب الشخصيات الدينية في هذا التجمع الذي بُث في التلفزيون العراقي الرسمي ومن ابرز الشخصيات الحاضرة وكيل السيد السيستاني والسيد مقتدى الصدر ولم يحضر الشيخ اليعقوبي أو أي ممثل عنه في ذلك الاجتماع رغم الضغط الكبير الذي كانت تمارسه الحكومة في حينها لإحضار الجميع-ورغم إن الجميع فهم هذه المسرحية إلا أنها تُعد مؤشراً على فهم ما يجري في الساحة في حينها والى أين ستؤول الأمور فيبدو إن اغلب الحضور كانوا يتصورون إن الولايات المتحدة الأمريكية ليست جادة في محاولتها لإسقاط النظام فتصرفوا على أساس إن النظام باقٍ. ومن مراجعة جملة من التصرفات للشيخ اليعقوبي ومنها عدم حضوره هذا التجمع –رغم ما في الأمر من خطورة- نجد إن سماحته كان –من خلال تحليله للأحداث- يعتقد بان الولايات المتحدة الأمريكية جادة وان النظام سيقسط لا محالة وان المواجهة المباشرة مع الغرب قادمة ولهذا نجده قد سبق غيره واصدر جملة من الكتابات والتوجيهات التي تعلّم الأمة كيفية التصرف في هذا الظرف الحرج ولعل أهمها كتاب نحن والغرب –الذي صدر في زمن النظام المقبور وصار بعدها سلسلة من الكتب-بينما لم يصدر من غيره –حسب متابعاتي- ما يشير إلى قرب وحتمية هذه المواجهة والسياسي الناجح كما يعرّفه المختصون هو الأقدر على تحليل الأحداث واستنتاج ما سيؤول إليه الوضع واقتراح أساليب العمل التي تناسب الظرف الجديد مسبقاً.
وهنا نريد أن نتحدث عن إصدار مهم لسماحة الشيخ في تلك الفترة الحرجة وتحليله على الشكل التالي:-الاستماع إلى الأخبار في أوقات الأزمات:-
وهو كتيب صدر لسماحة الشيخ يوم 30/1/2003 أي قبل بدء الحملة العسكرية بأقل من شهرين وكان بصيغة سؤال عن الاستماع للأخبار في وقت الأزمات واحتمال استغلال بعض الجهات لهذه الأزمة وإجابة تفصيلية وقد تحدث فيه سماحة الشيخ عن النقاط التالية:
1-توضيح أهداف الحملة العسكرية الغربية المقبلة مسبقاً بان سببها (المصالح) والسعي المستمر للازدياد من الثروة وقد أدى هذا الجشع والحرص إلى حب التسلط على الآخرين واستعبادهم والتحكم بشؤونهم للانتفاع بهم من جهتين:-
الأولى:نهب ثرواتهم
وليس المقصود هنا الثروات بالمعنى المتعارف فقط –حتى لا يقول قائل بان قوات الاحتلال لم تسرق ثروات العراق على الأقل لم يحدث ذلك علناً فأين نهب الثروات-وإنما يشمل الثروات البشرية –من خلال توجيهها وفقاً لما يريدون- والفكرية والثقافية –من خلال طمسها وإبدالها بالفكر والثقافة التي يريدون-بل للثروات مصاديق أكثر لا تخفى على من يدقق النظر وللتنويه نذكر إن سماحة الشيخ فسر معنى كنوز الفرات الواردة في بعض الروايات بقوله مخاطباً أبناء المرجعية (انتم كنوز الفرات) وهل يبحث الطامع إلا عن الكنوز التي بيد غيره فتأمل!
الثانية:استخدامهم لتحقيق أغراضهم وجعلهم سوقاً لتصريف بضائعهم.
واعتقد إن الثانية قد اتضحت من الأولى وهي لاحقةً لها في الترتيب فبعد نهب الثروات على المعاني التي ذكرناها يبدأ المحتل باستخدام هؤلاء الآخرين لتحقيق أغراضه –المصالح والسعي المستمر للازدياد من الثروة-وجعلهم سوقاً لتصريف بضائعه المتنوعة فتشمل الأفكار والثقافات-لا نقصد طبعا الايجابي منها بل نقصد السلبي فقط- وليس السلع فقط.
فهو-أي سماحة الشيخ- بذلك يحدد ملامح الحملة العسكرية وأسبابها وأهدافها قاطعاً الطريق أمام أي تبرير من نوع آخر من تحرير العراق أو القضاء على حكم صدام الطاغية أو محاربة الإرهاب وغيرها من المبررات والأهداف التي ذُكرت لاحقاً فما هي إلا حجج تختفي ورائها الأسباب والدوافع الحقيقة التي ذكرها سماحته بإجمال.
2-أشار سماحته إلى استخدام العمل المؤسساتي لإدارة هكذا نوع من الأهداف العدوانية وذكر إن لهذه المؤسسات إمكانيات عالية وتقنيات متطورة وهو هنا يشير إلى أهمية العمل المؤسساتي فهذه المؤسسات ذات النهج العدواني لا بد أن تتم مواجهتها بمؤسسات –ترغيب في العمل المؤسساتي- ولابد لهذه المؤسسات –أي التي ستواجه المؤسسات العدوانية-أن تمتلك إمكانيات عالية ويقصد هنا بالإمكانيات البشرية والمادية التي هي عماد العمل المؤسساتي الناجح فلا بد من توفير الإمكانيات البشرية والمادية العالية لإنجاح عمل مؤسساتنا وأن تُستخدم التقنيات المتطورة في عملها أي لا تعتمد على أساليب وأدوات العمل التقليدية فحسب لأنها ستكون كمن يواجه قنبلة نووية بسيف!.
هذا الموضوع في تفاصيل كثيرة ومن أراد الاستزادة فيمكن الرجوع إلى مقالنا المنشور بعنوان(العمل الإسلامي من الفردانية على المؤسساتية).
3-ذكر سماحته سعي تلك المؤسسات للإيحاء لشعوبها و(الخاضعين لسيطرتها)-قد يكون الخاضع لتلك المؤسسات من غير شعوبها شعوباً أو حكومات وقد يكون الخضوع سياسي أو آيديلوجي أو ثقافي وما أكثر أمثلته- الإيحاء لهم بوجود عدو-سواء كان حقيقياً أو وهمياً وخلق ضجة باتجاهه وذلك لتحقيق عدة نتائج:-
أ-(بعث روح الهمة والحماس والنشاط في العمل بالاتجاه الذي يريدونه هم ومن يتأثر بهم) وهذا واضح فبدون عدو أو منافس يصعب بعث روح الهمة والحماس.
ب-(خلق المبررات لاستمرار وجودهم وإقناع الناس بصحة عملهم والحاجة إليهم) والأمثلة على ذلك كثيرة سواء من تاريخ الغرب أو من تاريخ غيرهم (روزفلت في أيام الحرب العالمية الثانية وبوش في أيام الحرب على الإرهاب وغيرهم).
ج-(التشويه والتعتيم على أي شخص أو عقيدة يمكن أن تهددهم) فيمكن ضرب هذا الشخص أو هذه العقيدة بسهولة لانشغال الناس بالعدو الوهمي أو جعل هذا الشخص أو هذه العقيدة من ضمن مصاديق العدو كما يحصل الآن فكل من ترى أمريكا فيه خطراً عليها تسمه بسمة الإرهاب ،وذكر سماحته إنهم يشوهون أو يعتمون على الشخص أو العقيدة حتى لو كانت لم تهددهم فعلاً في الوقت الحاضر فما دام احتمال التهديد وارداً ولو بنسبة صغيرة جداً فيُضرب هذا الشخص أو هذه العقيدة وقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية ذلك عملياً من خلال ترويجها لمفهوم الضربات الاستباقية.علماً إن التشويه والتعتيم يمارس ضد العقائد الأكثر خطراً –خطرها يكمن في اغلب الأحيان في كونها مقنعة وتسد فراغاً موجوداً لدى الناس لا تسده أفكار وثقافات الغرب-وضد الأشخاص الأكثر عقائدية والتزام بآيديلوجيتهم-بشرط صحتها ولا اقصد هنا المتعصبون بشكل أعمى فهم من الصنف الثاني- أما الأدنى خطراً فيتم توجيه الضربات لهم بشكل مباشر والمواجهة معهم تكون مباشرة من خلال الاعتراف بوجودهم بل وفي أكثر الأحيان إعطائهم أكبر من حجمهم الحقيقي-إعلامياً وسياسياً وعسكرياً- ليسهل السيطرة عليهم واستنتاج خطواتهم بل وإملائها عليهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
د-(تمرير الأفكار والسلوكيات المنحرفة والهدامة تحت عناوين براقة ومزخرفة وهي ستأخذ مجراها بسرعة لانشغال الناس بالضجة المفتعلة) فلا يلتفتون –أي الناس- إلى خطرها لأنهم مشغولون بالأهم-كما توحي لهم وسائل الإعلام-
هـ-(هدر طاقات الأمة المادية والمعنوية وتبديدها من اجل لاشيء) فكم هي الطاقات التي ضاعت في الحرب الطائفية المفتعلة في العراق والتي ظهرت فجأة واختفت فجأة ولا يختلف اثنان من العراقيين إن هذه الطاقات ذهبت من اجل لاشيء!!!
4-ذكر سماحته إن العدو –بالنسبة للغرب- في أيام الحرب الباردة كان هو الشيوعية والآن هو الإسلام من خلال تصويره بصورة زائفة لشعوبهم التي صار الإسلام لديها يساوي الإرهاب وكان افتعال –سواء كان مفتعل أو تم استثماره-حادث 11 سبتمبر من أهم الأحداث التي رسخت في أذهان شعوب الغرب-خاصة الولايات المتحدة الأمريكية- صورة الإسلام الإرهابي.
5-وقال سماحته في معرض حديثه إن من أهم الوسائل التي توسلت به هذه المؤسسات لتحقيق أغراضها وتنفيذ خططها هو الإعلام بكل قنواته مستخدمين فيه احدث الأساليب في التأثير بالمقابل من خلال استخدام التقنيات الحديثة ومن خلال محاولة التأثير على قناعات المستقبِل ودس السم بالعسل واعتماد الانتقائية-أي انتقاء الخبر الذي يخدمهم وإهمال غيره أو انتقاء الظرف المناسب لنقل الخبر لترك الأثر الذي يريدونه- أو التقطيع –أي نقل جزء من الخبر الذي يخدمهم فقط- أو الإضافة –أي اختلاق أمور وإضافتها للخبر بشتى الوسائل- أو الربط في نقل الأخبار –بين خبر وآخر حتى لو تكن بينهما أي صلة وذلك لإيهام المتلقي بوجود الصلة- أو اختلاق الأخبار ونقلها على إنها حقائق والترويج لها أو نفي الحقائق أو التشكيك بها أو استخدام اضعف المحاورين لتمثيل الطرف الذي يريدونه أن يخرج مغلوباً من النقاش وغيرها من الأساليب التي تترك أثراً بالمتلقي من حيث يشعر أو لا يشعر وتخلق في نفسه الشك والحيرة والتردد وهي الخطوة الأولى في طريق الضياع والانحراف كما عبر عنها سماحته.
6- شبه سماحته الاستماع إلى الأخبار –أو تلقيها بأي وسيلة كانت وإنما تم التركيز على الاستماع لأنه لم يكن هناك لدى اغلب العراقيين وسيلة في معرفة الأخبار الغير مسيسة من قبل النظام سوى الإذاعات-شبهه بقراءة كتب التاريخ فكما إننا لا نصدق كل ما ورد في كتب التاريخ لأن فيها الغث والسمين لأن بعضها كُتب تزلفاً إلى السلطات ولتبرير أفعالها- كما في الكثير من الأخبار والتقارير-أو كُتب لتأييد عقيدة أو مذهب –وكذلك في الأخبار والتقارير مع الالتفات إلى إن التأييد نفسه ليس المشكلة وإنما المشكلة لا عقلانية الطرح حيث لا سبب إلا التأييد-أو كُتب لتسقيط مخالف وتشويه صورته أو لرفع شخص وتأييده أو كُتب ليمثل وجهة نظر الكاتب التي قد لا تعبر عن الحقيقة وليست مستوعبة لتفاصيل الحدث- يبدو انه من غير الممكن أن يكتب الكاتب ما لا يمثل وجهة نظره –إلا في معرض النقل المجرد أو الانتقاد -فكل كاتب يُفرغ في الكتاب أو غيره ما يعتقده صحيحاً وليس هنا مكمن المشكلة وإنما المشكلة في أن تكون وجهة نظر الكاتب غير مطابقة للحقيقة ويُفهم ذلك من خلال ما جاء به الكاتب من أدلة لتدعيم وجهة نظره ومقارنتها بغيرها من وجهات النظر وبالتأكيد فان لمصداقية الكاتب مع نفسه وغيره واستيعابه لما يتحدث عنه ابرز الأثر في ذلك- بهذه النظرة أراد سماحة الشيخ أن ننظر إلى ما تبثه وسائل الإعلام مؤكداً إننا لا نستطيع التخلي عن متابعة الأخبار لأنها حاجة نفسية ملحة-هذه الحاجة تختلف شدةً وضعفاً من شخص لآخر وكذلك مقدماتها تكون مختلفة- ولكن علينا أن نلبي هذه الحاجة بشكل نظيف ومفيد وغير مشوه وليس فيه ضرر –ستوضح النقاط التالية معنى كل واحدة منها- بالالتزام بعدة نقاط:-
أ-هناك تفاوت فيما بين الإذاعات-ووسائل الإعلام كافة- في درجة الاطمئنان لما تنقله وهذا يُعرف من خلال المتابعة والمعرفة المسبقة من خلال الآخرين فيتفاوت الحذر بمقدار درجة الاطمئنان.
ب-محاولة التأكد من الخبر ومضمونه من أكثر من مصدر خاصةً إذا كان يترتب اثر معين من قبل المتلقي عند استماعه لذلك الخبر والتصديق به.
ج-الرجوع للحوزة العلمية الشريفة والواعين المخلصين من المثقفين لمعرفة تقييمهم للخبر وهذا طبعاً تبعاً لأهمية الخبر.
د-عدم المبالغة في الاستماع للأخبار والاكتفاء بنشرتين من إذاعتين مختلفتين مع التعليقات –مثلاًُ- فان الوقت مهم والعمر يمضي وهو رأس مال الإنسان وفي النشرتين الكفاية وكذلك اختيار أوقات معينة لا تؤثر على نشاطاتنا الأخرى لجعلها مخصصة للاستماع للأخبار.
هـ-إن كثرة الاستماع للأخبار- بل ومتابعة وسائل الإعلام عموماً خاصة المرئي منها- يؤدي إلى التشويش الفكري وانشغال القلب والعقل بالأفكار المتضاربة مما يفوت على الفرد فرصة الازدياد من العلم وذكر سماحته جملة من الكتب التي ينبغي للفرد مطالعتها والتي لو أكثر من الاستماع للأخبار لما وجد الوقت الكافي لمطالعتها أو لصعب عليه التركيز عند قراءتها وبالتالي قلة الاستفادة منها .
و-ذكر سماحته إن علينا أن نتصيد الدروس والعبر من الأخبار التي نستمع لها (فما أكثر العبر واقل الاعتبار) كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وان نقوي ثقتنا بالنفس ونحسن الظن بالله تعالى ونرضى بما قضى وقدر مهما كانت تحمل لنا هذه الأخبار من مآسي ومصائب وان نتصرف مع الأحداث تصرفاً سليماً.
7-إن عدم الالتفات إلى النقاط السابقة يجعل من هذه الأخبار تسبب آثاراً تدميرية في المجتمع منها:-
أ-(إضعاف القوة المعنوية وتحطيم النفسية وتحقيق العجز عن التفكير فيما هو نافع) وهذا مع الأسف ما حدث فعلاً في العراق كمثال فتجد الفرد العراقي-في الأعم الأغلب-روحه المعنوية ضعيفة ونفسيته محطمة وعاجز عن التفكير فلا يشارك في الإعمال الاجتماعية أو ذات النفع العام–تشير التقارير العالمية إلى انتشار الأمراض النفسية بين العراقيين بشكل كبير بعد الاحتلال-فتجد التخبط في التصرفات وعدم معرفة الحقائق حتى في حال وضوحها كوضوح الشمس وتجد عدم التفاعل مع المشاريع الايجابية –ما اصدق هذا الكلام على الكثير من أبناء المرجعية وللأسف الذين تأثروا بالإعلام المضلل الذي أراد فيما أراد تسقيط المرجعية أو واجهاتها وبالأخص السياسية منها – فكثرة الاستماع للأخبار وتحليلاتها المضللة ترسم صورة قاتمة للحياة وللعمل وتشعر الفرد بالعجز واليأس من إمكانية التغيير ولنأخذ الجانب السياسي على سبيل المثال من خلال متابعة أخبار التخبط السياسي والصراعات السياسية والأحداث السياسية وما يترتب عليها من آثار –مع إضافة التهويلات الإعلامية لهذه الأمور والتشويه المتعمد لها- جعلت الفرد يشعر باليأس وينأى بنفسه بعيداً عن هذا التخبط فكثرت ثقافة أنة شعليه وشنكدر انسوي وماكو حل والكل حرامية وكل السياسيين جذابين وشين التعرفه أحسن من زين الماتعرفه وغيرها من المصطلحات المستخدمة التي تعبر بواقعية عن مستوى اليأس وعدم الاهتمام والتعميم الغير مبرر للأخطاء حتى على غير المخطئ الذي وصل إليه الكثير من الأفراد.
ب-(بث روح الشك وفقدان الثقة بالنفس أولاً وبأولي الأمر ثانياً وبالدين والعقيدة والمبادئ ثالثاً)
وهذه المرحلة تأتي عادة بعد ما ذُكر في النقطة السابقة فمن تضعف قوته المعنوية وتتحطم نفسيته ويشعر بالعجز عن التفكير فيما هو نافع يبدأ بفقدان الثقة بنفسه وتسري في عروقه روح الشك الهدامة التي ما تلبث أن تُحطم معنوياته وتجعل منه إنساناً يائساً من نفسه ومن قدرته على إحداث أي تغيير نحو الأفضل مهما كان بسيطاً –ولعلي لست محتاجاً لضرب الأمثلة فهي كثيرة مع الأسف في مجتمعنا هذه الأيام-وهذا خلاف ما مطلوب من الإنسان وبالأخص الرسالي وصاحب المبدأ وخلاف المواصفات التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإنسان المؤمن الذي ليس لليأس عليه سبيل (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146) وهذه المرحلة خطرة جداً ولكن ما بعدها أخطر وذلك عندما يتطور فقدان الثقة ليطال أولي الأمر بدون مبررات واقعية اللهم إلا التأثر بالإعلام المزيف في حين إن ديننا يأمرنا بطاعة أولي الأمر-ليس المقصود طبعاً بأولي الأمر القادة السياسيين بل المقصود هنا المرجع أو الولي الفقيه – ولو رجعنا إلى القران لوجدناه يأمرنا بالرجوع إلى أولي الأمر لاستبيان وجه الحقيقة في الأزمات وليس فقدان الثقة بهم في الأزمات كقوله تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83) تجد الآية صريحة في ذم من يذيع وينشر أخبار الخوف-الأخبار السيئة- بل وحتى الأمن-الأخبار الجيدة- دون معرفة مصدر الخبر وما هي الأهداف التي تقف وراء نشره ومدى مصداقيته وذلك بالرجوع إلى الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأولوا الأمر، وبالتأكيد فان من يفقد ثقته بولي الأمر لا يطيعه ولا يعمل ضمن توجيهاته بل لعله يتعمد عصيانه والعمل بالضد من توجيهاته والكارثة تصبح أكبر لو انتشر هذا المرض ضمن فئة كبيرة من المجتمع لان هذا سيُفقد ولي الأمر قدرته على العمل وإحداث تغيير –إذ لا رأي لمن لا يُطاع- وقد يضطر ولي الأمر إلى استخدام أساليب عمل مختلفة-وهذا التغيير قد لا يروق للبعض وقد لا يستوعبه البعض الآخر- أوقد يضطر لتأجيل التحرك باتجاهات معينة-وهذا قد يفهمه البعض تخاذلاً- أو قد يُجبر على اتخاذ موقف لا يرغب فيه –كما حدث مع الإمام الحسن (عليه السلام) عندما أُجبر على الصلح بعد ما وصل أكثر أبناء المجتمع في عهده إلى هذه المرحلة الخطرة ولم يكن بالإمكان إيجاد معالجة سريعة-والغريب إن البعض ممن يصل هذه المرحلة يبقى مستمراً في مطالبته ولي الأمر بمعالجة المشاكل وإحداث التغييرات!!
واخطر ما في المسئلة أن تصل النوبة إلى الشك بالدين والعقيدة والمبادئ فيصبح الفرد-والعياذ بالله- شاكاً بكل شيء يائساً من كل خير ولعله يصبح كافراً(يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87)
وهذه الأمور ليست من نتائج الإعلام المضلل فقط بل قد تكون لها أسباب أخرى –لسنا بصدد الحديث عنها الآن رغم إن الإعلام المضلل يكون في اغلب الأحيان هو السبب الأكبر- وقد يختزل بعض الأفراد –لوجود استعداد سلبي لديهم- هذه المراحل ليصلوا إلى آخرها بسرعة ويكفروا بكل شيء-نعوذ بالله من ذلك- والمقصود بالشك هنا هو الشك الذي يمنع صاحبه من العمل ومن تصديق ما يرد من المصدر الذي شك فيه أما مجرد الوسوسة دون ترتيب أثر في الخارج فهو مما لا يخلو منه فرد عادةً، ومن هذه النقطة وسابقتها نفهم خطورة الإعلام المضلل ونفهم ما معنى نهب الثروات وما معنى استخدام الآخرين من قبل الغرب ومؤسساته العدوانية لتحقيق أغراضهم فما أطوع الفرد الغير واثق بنفسه والشاك في قيادته الشرعية وفي دينه وعقائده ومبادئه فانه يُقاد بإشارة الإصبع وربما من دون مغريات.
والمتأمل في الوضع العراقي الآن يجد الكثير من المصاديق على هذا الكلام الذي صدر قبل سقوط الصنم .
ج-(إحداث التفرقة والاتجاهات المتباينة وتمزيق وحدة الصف ونشر الخلافات)
كما حدث في العراق فعلاً في أيام الحرب الطائفية بل وصل الأمر إلى الصراع ضمن الطائفة نفسها –ما يطلق عليه مثلاً الصراع الشيعي الشيعي-بل ضمن المجموعة نفسها والتفرقة هي غير الاختلاف فالاختلاف في وجهات النظر ضمن الضوابط والأسس العقلية أمر وارد جداً ولكن المشكلة في أن يكون هذا الاختلاف مبرراً للصراع والتباين ويؤدي إلى تمزيق وحدة الصف ونشر الخلافات في حين إن المطلوب هو الوحدة والتعاون والنظر إلى النقاط المشتركة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)
د-(خلق أزمات اجتماعية وإرباك اقتصادي يؤدي إلى إهدار الطاقات وتبديد القدرات على أمور وهمية أو مبالغاً فيها) وهذا الأمر له أمثلة كثيرة أيضاً فكم من أزمة اجتماعية خلقها الإعلام المضلل وكم من إرباك اقتصادي خلقه ذلك الإعلام –كمثال على ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة حيث قال بعض المحللين إنها مفتعلة وقال البعض أيضاً انه تم المبالغة بها وقال البعض الآخر إن هناك من استغلها واستفاد من نتائجها التي منها على سبيل المثال قول بعض المحللين عندما قامت الحكومة الألمانية بخطة إنقاذ –لاقت الخطة ترحيباً أمريكياً-لشركة اوبل وهي من كبريات شركات السيارات قالوا بان الحكومة الألمانية تدعم إنقاذ الشركات الكبرى فقط وتترك الشركات المتوسطة والصغرى عرضةً للإفلاس وهو-أي إفلاس الشركات المتوسطة والصغيرة- ما سيخدم مصلحة الشركات الكبرى لتصبح أكبر وأكبر.
وعندما نتحدث عن وضع العراق خصوصاً–وهو الأصل في السؤال المقدم لسماحة الشيخ ومحور الحديث- نجد أمثلة كثيرة فقد خلقت وسائل الإعلام من خلال الأكاذيب والمبالغة الكثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وأدى هذا الأمر إلى ضياع الكثير من الطاقات.
هـ-(تغيير أخلاق المجتمع وسلوكياته وأنماط حياته وأفكاره وفق الرؤية التي يريدون وهو ما يسمونه بالعولمة والنظام العالمي الجديد ) وهنا يذكر سماحة الشيخ إحدى النتائج التي تترتب على عدم الالتفات إلى النقاط التي ذُكرت سابقاً حول الاستماع للأخبار وهي تغيير المجتمع من خلال تغيير أخلاقه وسلوكياته وأنماط حياته وأفكاره-نحو الأسوأ طبعاً-ضمن إطار وبحجة ما يسمى بالحاجة إلى نظام عالمي جديد أو الترويج للعولمة والحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد حديث طويل لا نستطيع ضمن هذه الخلاصة الخوض في تفاصيله وإنما نريد أن نشير فقط إلى جملة أمور تتعلق بالموضوع وهي:-
-لا جديد في النظام العالمي الجديد فما هي إلا المصالح والرغبة في التسلط التي تحدثنا عنها في بداية الكلام.
-مورست وتمارس عملية غسيل دماغ كبيرة الغرض منها تصوير العولمة والنظام العالمي الجديد على إنهما المفتاح السحري لحل مشاكل العالم والحال إنهما عملية خداع كبيرة يراد من خلالها الحفاظ على المصالح القائمة وتحقيق مصالح جديدة.
-كلما تطور المجتمع وازدادت ثقافته كلما حاول أصحاب المصالح تأطير مصالحهم بأطر جديدة ظاهرها خدمة المجتمع والتجاوب مع دعوات الإصلاح والتغيير وباطنها الالتفاف على هذه الدعوات وتحقيق المصالح بشكل خفي حتى لا يتم انتقاده بسهولة وما العولمة إلا أوضح شكل من أشكال هذا الالتفاف –وقد صدرت كتب عديدة لكتاب عالميين تحذر من فخ العولمة وتبين حقيقتها وقد عبر احد الكتاب-وهو أمريكي- عنها بأنها تجعل الأغنياء أكثر غنىً والفقراء أكثر فقراً فتأمل-.
-غالباً من يتم تأطير الكثير من أساليب الخداع بأطر من العقلانية والفائدة أو يكون التنظير شيء والتطبيق على ارض الواقع شيء آخر كمثال على ذلك يقول منتقدي النظام الديمقراطي بان الديمقراطية في الغرب لا تكفل إلا حق الصراخ أي إنها تعطيك الحق بان تصرخ وتنتقد وتطالب دون أن يكون هناك مجيب وإذا حدثت استجابة فهي للترويج والدعاية لا غير.
وأخيراً يذكر سماحته جملة من النصائح الأخلاقية بخصوص التصرف اقتصادياً في الأزمات بما لا يضر المجتمع.
هذه قراءة لإصدار يتحدث عن كيفية التعامل في ظل أزمة من الأزمات مع الأخبار والاستجابة الصحيحة لها ولاحظنا من خلال هذه القراءة كيف نبه سماحة الشيخ على جملة من الأمور ممكن أن تحدث في الأزمات وتؤثر سلبياً على الفرد والمجتمع –وقد حدثت فعلاً-وهذا ناتج عن بعد نظر ودقة في التحليل واستباق للأحداث مطلوب بشكلٍ ملح في القيادة التي يُراد لها أن تُوصل المجتمع إلى بر الأمان وما ذكرناه في قراءتنا ما هو إلا نزر قليل من الفوائد والإشارات الموجودة في تلك الكلمة الطيبة ونسئل الله تعالى أن ينفع بها الأمة.
رشيد السراي
31/5/2009
ملاحظة: