مقالات في الفكر السياسي السلامي ……. الحلقة 3 اشكالية:عدم وجود شكل للنظام السياسي في الإسلام :

هذه الإشكالية المراد منها أن الإسلام لم يأت بنظام سياسي محدد موضحاً فيه شكل وهيكل الحكومة التي تريد تطبيقها ، فالإسلام وإن اكتفى بإيضاح المبادئ والقيم النظرية للنظام السياسي لكنها مبادئ اتفق عليها عقلاء البشر ،والإسلام لم يؤسس لشيء جديد منها وإنما أراد إمضاء ما تعارف عليه بين العقلاء.
يقول محمد عابد الجابري : ((إنه لا يكفي أن يقال إن الحكم في الإسلام مبني على ((الشورى)) وعلى ((العدل)) وعلى ((الإخاء)) …الخ. فجميع الديانات وجميع المذاهب السياسية والاجتماعية ترفع شعارات من هذا النوع لسبب بسيط هو انها شعارات تعبر عن قيم إنسانية خالدة ومثل عليا يتطلع البشر جميعاً في كل وقت إلى تحقيقها))( 1).
ويرى محمد سعيد العشماوي “انه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم توجه المسلمين إلى أية حكومة سياسية معينة ، أو حتى تشير إلى النظام السياسي، فإذا كانت الخلافة أو الإمامة أوالامارة(أو أي شكل للحكومة)من صميم العقيدة الاسلامية لكان من الضروري أن ينص القرآن على ذلك “( 2).
ويذهب إلى هذا الرأي عبد الإله بلقزيز إذ يقول : ((لكنه (أي القرآن) لم يقدم تشريعاً خاصاً للمسألة السياسية يرسم إطار السياسة والسلطان ويحدد وظائفها ، ويرسي قواعدهما على نصوص وتعاليم صريحة التعريف والتعيين))(3 ).
ويماثل مهدي بازركان بين حِرف الحياة والحكومة والسياسة ، فكما أن الإسلام والأنبياء لم يعلمونا دروساً في فن الطبخ ، كذلك تركت الحكومة خاضعة لاجتهاد البشر( 4).
ويجاب عن هذه الإشكالية : بان الإسلام لم يطرح شكلاً ونمطاً محدداً للحكم ، لكنه وضع الإطار العام للنظام السياسي وأن أشكال الحكومة رغم تعددها حسب ما تقتضيه الظروف لكنه لا تخرج عن ذلك الإطار العام( 5).
وهذا يتسق مع ما مطروح اليوم من أن ((النظام السياسي لمعظم الدول لا يحدده شكل هذه الدولة ، أو شكل حكوماتها ، وإنما يحدده المذهب السياسي الذي يتبناه نظام الحكم، وعليه ؛ فموضوع النظام السياسي ليس شكل الدولة أو شكل الحكومة، فقد نجد أشكالاً لحكومات متعددة، من ملكية ، أو جمهورية أو مركزية أو اتحادية لكنها تنتمي إلى نظام سياسي واحد))( 6).
لذا يكمن حل هذه الإشكالية عند العلماء والمفكرين في أن أصل الحكومة وضرورتها ومسألة الولاية والحكم تعد من ثوابت الشريعة ، بينما شكلها داخل ضمن الأحكام المتغيرة ، التي تخضع لتطورات العصر.
ويرى العلامة الطباطبائي أن الإسلام بما هو شريعة ثابتة لم يتبن إطاراً معيناً للحكم يدعو إليه ويعدهُ الواجب دون غيره ، لان الشريعة تتضمن العناصر الدينية الثابتة ، لذلك فهي تنظر لقضية إطار الحكم وشكله كقضية متغيرة قابلة للتبدل في المجتمعات بحسب التطور الحضاري ، لذلك لا ينبغي للشريعة أن يكون لها موقف ثابت في قضية هي متغيرة بطبعها ، ويسعى العلامة الطباطبائي أن يجعل شكل الحكومة الإسلامية خاضعاً لثلاثة من ثوابت الشرع الإسلامي هي :
1- على المسلمين أن يسعوا بأقصى قدرتهم للحفاظ على الوحدة .
2- يجب على الجميع الحفاظ على مصلحة الإسلام والمسلمين.
3- إن العقيدة هي الحد الذي يجمع المجتمع الإسلامي ولا اعتبار للحدود الطبيعية أو تلك القائمة بفعل المعاهدات))(7 ).
يقول محمد تقي مصباح اليزدي : ((إن شكل الحكومة يخضع للتغير والتبدّل على الدوام تبعاً للظروف الزمانية والمكانية والتطورات الثقافية ولا يمكن تعيين شكل حكومي واحد للحياة الاجتماعية على امتداد التاريخ ، بحيث يكون هذا الشكل الحكومي قابلاً للتطبيق في كل الأزمنة والظروف وفي جميع الأقطار))( 8).
ثم إن المبادئ والقيم التي عينت إطاراً عاماً للنظام السياسي وإن كانت بعضها تعبر عن قيم إنسانية لكن ما يريده الإسلام منها ما ينسجم ومنظومته الفكرية ، فقد يعد أمراً مصداقاً ((للعدالة)) بنظر الإسلام بينما يراه نظام آخر خلاف ذلك.

…………………………………………..
(1 ) محمد عابد الجابري،الدين والدولة وتطبيق الشريعة،ط3 ، (بيروت،مركز دراسات الوحدة العربية،2009) ، ص73.
( 2) محمد سعيد العشماوي ، الإسلام السياسي ، (القاهرة ، دار سينا للنشر ، 1986) ، ص89.
( 3) عبد الإله بلقزيز ، تكوين المجال السياسي الإسلامي ، النبوّة والسياسة ، ط1 ، (بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2005) ، ص46.
( 4) ينظر: مهدي بازركان، الله والآخرة،هدف بعثة الأنبياء،نقلاً عن فلسفة النظام السياسي في الإسلام،ص240.
( 5) ينظر:محمد مصباح اليزدي،النظرية السياسية في الاسلام،ج2ص118.
(6 ) علي المؤمن، النظام السياسي والإسلامي والأنظمة الديمقراطية والثيوقراطية، مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد الأول ، 1418هـ/1997م ، ص103.
( 7) محمد حسين الطباطبائي ، مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي ، ترجمة جواد علي كسار ، ط2 ، (مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر ، 1418هـ) ، ص186-187.
( 8) محمد تقي مصباح اليزدي ، النظرية السياسية في الإسلام ، ج2 ، ص161-162.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار