
سلسلة حكايات من بلادي ـ قصة قصيرة
فكري بمستقبلك يارجاء
تقطف رجاء زهرة حمراء من حديقة الجامعة .. وتشمّها بنفس عميق أمام الطالبات .. ثم تحملها بفرح وتبدأ بالتطلّع في وجوه من حولها من الزملاء بحثاً عن شخص عزيز .. فتسألها ياسمين باستغراب :
ـ عمّن تبحثين يا رجاء.
ـ (وهي تبتسم) عن نديم أبحث .. فهل رأيتيه ونحن ندخل الجامعة ؟
ـ (بدهشة) تقصدين نديم أكرم !!؟
ـ نعم .. وهل يوجد نديم غيرُه في كليتنا ؟
ـ (باستغراب وعتاب) ومالك ولنديم يارجاء .. أنت من وادٍ ونديم من وادٍ آخر..
ـ (بعصبية وتشنّج) بل أنت من وادٍ آخر أيتها الأثرية .. افتحي عينيك وانظري إلى الدنيا من حولنا يا مهندسة المستقبل.
تنصدم ياسمين ..وتقف في الممرّ الطويل المؤدي إلى قاعة الدرس وهي في حالة حرج شديدة من الطلبة الذين أوقفهم الفضول يتفرجون على مشهد الصديقتين وهما تتحدثان بصوت عالٍ وكأنهما في مشادّة. فتأخذ بيد زميلتها وتنزلان بعيدا عن الممرات باتجاه شجرة كالبتوس عملاقة توسّطت الحدائق وتدلّت أوراقها بانسياب كخصال شعر تداعب خدود المارّة.. وجلستا معا على مصطبة قريبة. رجاء تنظر إلى الأرض ولا تتفوّه بكلمة ، فتحاول ياسمين أن تتحدث وتتعمّد أن تضغط على كلماتها لتجعلها أكثر تأثيرا وتقول :
ـ اسمعيني ياعزيزتي .. دعي نديم وشأنه .. أنا أكبر منك قليلا وأمّك تحثّني على الاهتمام بك باستمرار.
فتنتفض رجاء وكأنها تصاب بلدغة أفعى وتصيح :
ـ كفي عن تكرار هذا الكلام. دعينا من ذكر أمي ومن نصائحك التي لا تنتهي. أمي مكانها البيت وتحديدا في المطبخ. وأنا طالبة في هذه الكلية وسوف أصبح مهندسة بعد سنتين ولي حياتي الخاصة مثلما أن لأمي أفكارها التي لا تتنازل عنها.. فاتركيني افعل ما أريد بلا وصاية من أحد.
وهنا .. لا تجد ياسمين بداً إلا أن تصنع جوّا من الألفة ، فتضع كفّ رجاء في كفّها وتقول بحنان وحب :
ـ حبيبتي رجاء .. هدّئي من روعك.. واسمعيني جيدا. ما تقومين به شيٌ خاطئ ، أنت تسيئين لسمعتك ولمستقبلك. نديم شاب منفتح ومتهور. إنه يصادق في كل أسبوع إحدى الجميلات ثم يهجرها لينتقل إلى فريسة جديدة. ولقد صرّح أمام الطلاب أننا نعيش لنلهو ونتلذذ.. فهل تقبلين مثل هذه الفلسفة يا رجاء .. هل نحن فعلا نعيش لنلهو ونأكل ونتلذذ ثم نموت ويأكلنا التراب ولا حساب علينا بعد ذلك .
لقد خلقنا الله لهدف عظيم يا حبيبتي. خلقنا لنعرفه ونستثمر ما أودع فينا من طاقات نخدم بها أنفسنا ومن حولنا ونترك بصمتنا على هذه الأرض قبل أن تنتهي فرصتنا ونغادر مسرحها مرغمين.
رجاء حبيبتي .. لم يأتِ بنا الله لنلهو ونصادق كلَّ من هبَّ ودبَّ بحجة أننا شباب وأن العمر مايزال أمامنا.
أنت أغلى صديقاتي ، ويؤلمني أن تلوّثي سمعتك بعلاقة ستندمين عليها بعد التخرج.
إنّ كل واحد من هؤلاء الطلاب سيبحث بعد تخرجه عن زوجة محتشمة لم يصادقها أحد ولم تسمح لرجل أن يلامس يدها. زوجة سيجعلها سيدة لبيته وأمّاً لأولاده والحاملة الوحيدة لأسراره.
فهل يمكن أن تكون رجاء من هؤلاء السيدات وهي تهدي الأزهار وتصافح الزملاء وتغطّ في ضحك عميق لأدنى ملاطفة مع هذا وذاك ؟ !
فتسكت رجاء
وتغطّ في صمت عميق لا نهاية له ..
فتتركها ياسمين تفكر لوحدها عسى أن تختمر في رأسها المفردات وتزول عن عينيها غشاوة الشباب.