بناء الشباب ضمانة المستقبل (٥)

ان المعرفة التي لا تصنع من المتلقي إنسانا، هي معرفة عبثية لا تغني ولا تسمن من جوع.
وهذا هو الفرق بين العلم والثقافة الهادفة التي يجب ان يجتهد الشباب من اجل اكتسابها ليرتقي بواقعه المزري فيغيّر ويبدّل، وبين العلم والثقافة العبثية التي تشغل الشباب بلا نتيجة.
ان على الشباب ان يبرمجوا يومهم بشكل جيد بحيث يخصصوا فيه ما لا يقل عن ساعتين للقراءة الجدية التي ترافقها عملية التفكير والتفكر الجدي.
وقبل ان أواصل الحديث في الموضوع، اود هنا الإشارة الى ملاحظة مهمة، خطرت ببالي بسبب لوم المرأة لي و (اتهامي) بأنني اكتب للذكور دون الإناث، في هذه السلسلة، وهي:
ان الحديث هنا عن شريحة الشباب لا يقتصر على الذكور فقط وإنما على الإناث كذلك، فعندما نقول (شباب) إنما نقصد الذكور والإناث على حد سواء، وان من له ابسط إلمام باللغة العربية، لا تفوته هذه الحقيقة اللغوية ابدا.
فضلا عن ان الشابات في العراق لا يقل دورهن عن الشباب، كما ان طموحهن وقدراتهن لا تختلف عن طموح وقدرات الشباب، وان الغاءهن من التفكير بشأن الشباب يُعد الغاءا لنصف المجتمع الشبابي، ولذلك فان ما أتحدث عنه هنا يشملهن كذلك، وربما اكثر، لان الشابّات يواجهن تحديات اكثر بكثير من الشباب، بسبب الثقافة الذكورية التي تخيم على المجتمع العراقي من جانب، وبسبب بعض العادات والتقاليد البالية التي يتصورها المجتمع انها جزءا من الدين والأخلاق، والتي تحجم من دور المرأة وتقلل من أهميته، من جانب آخر.
تأسيسا على ذلك، فان من الضروري بل من الواجب بمكان، ان تشمل كل برامج التنمية الشبابية كلا الجنسين، فلقد اثبتن الشابات قدرات فائقة في العمل القيادي والتنموي والتربوي واكتساب العلوم والمعارف، بل ان الكثير منهن حققن تفوقا ملحوظا في الكثير من النجاحات على مستوى التعليم، بالاضافة الى تصديهن لمنظمات المجتمع المدني، خاصة ما يتعلق بالمرأة والطفل واليتيم وغير ذلك.
نعود للحديث في صلب الموضوع.
فأي معرفة تصنع من الشباب إنسانا؟ انها
المعرفة :
اولا: المتكاملة والشاملة التي تخلق عنده خلفية تعليمية وثقافية واسعة.
ثانيا: تمكّنه من النقد والتفكير والحوار بلا تردد او خوف.
يسأل ويتساءل ويناقش ويتوقف ويشكك، من دون ان يستسلم للفكرة او لصالحبها.
ثالثا: وكذلك تمكّنه من التعايش في مجتمع متنوع ومتعدد في كل شيء كالمجتمع العراقي، فيقبل بالآخر ولا يحتكر الحقيقة ويؤمن بالتعددية، ويستوعب العصرنة.
قادر على الإصغاء، قدرته على الحديث والكلام.
رابعا: تمنحه مهارات وأدوات التفكير والعمل الصالح والقابليات القيادية، مثل؛
الف: العلمية والابتعاد عن لغة الإنشاء.
باء: الإبداع في التفكير من خلال التقليل قدر الإمكان من الخطوط الحمراء التي تحبس تفكير الانسان، ولا تدعه ينطلق في عملية التفكير، خاصة تلك التي تخلط الأصول المعقولة بالعادات والتقاليد الموروثة.
جيم: تمنحه القيم الأصيلة التي يبني بها الحضارة، مثل؛ الحرية والكرامة والشورى والتعايش والتعارف ومنطق الحوار والتنافس الشريف والتعاون والسعي للتكامل والشعور بالمسؤولية وقبول التحدي وروح المواطنة والتواضع وغير ذلك.
خامسا: تُصحِّح عنده المفاهيم الخاطئة والمنحرفة التي ابتلي بها المجتمع اليوم، والتي أنتجت بهائم تفجر نفسها وسط ضحاياها.
فلو كان الشباب على قدر من المعرفة والثقافة، لما خدعه المرجفون من أمثال فقهاء التكفير المرتبطين ببلاط نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية تحديدا.
فبدل من ان نرى الشباب في ساحات العلم والمعرفة والبحث والعمل المثمر، نراهم اليوم في ساحات مشبوهة تسيطر عليها جماعات العنف والإرهاب والجماعات الضلامية.
ان السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة هو جهل الشباب وتخلفهم وضياعهم.
سادسا: تعلمه ثقافة البحث والتحري والاستكشاف، وعدم الاكتفاء باستنساخ الافكار.
انها الثقافة التي تحيي الأموات، من خلال بث روح الهمة والمثابرة، فقد نقل عن (فرتز لبمان) انه كان شابا فاشلا بلا مستقبل، اي ضائعا، قبل ان تشحذ جامعة هارفارد قابلياته وهممه، ليكتشف واحد من اهم الأنزيمات التي تدخل في صناعة البروتينات.
هذه هي مهمة التعليم والثقافة الحقيقية، اما غيرها فبمثابة المقبرة التي يدفن فيها الشباب قابلياتهم وعقولهم والروح الإيجابية التي يتحلون بها واندفاعهم وحماسهم.
١١ كانون الثاني ٢٠١٤
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار