
سلسلة حكايات من بلادي .. قصة قصيرة
رومانسي
جامعة بغداد .. الثامنة والنصف صباحاً .. مئات الطلبة يسرعون بشوق نحو القاعات خوفا من فوات المحاضرة الأولى .
أما سرمد .. فلم يسرع ولم يكترث .. و ظلَّ واقفا خارج القاعة .. بل خارج الأرض والمجرّة . سارحا في أعماق الحديقة .. سانداً ظهره إلى شجرة سنديان وارفة .. هائماً متأملاً .. يفكر بعينيها.
*
******************
الثانية و النصف بعد الظهر .. يُخرج ورقة و قلما .. ويكتب وهو يجلس خلفها في طريق العودة إلى البيت :
(خذيني إليك سيدتي .. التقطيني من بين ملايين الأشياء .. اجعليني قريباً منكِ لأفوز بحياة لا يحلم بها مثلي .. اتركيني في حقيبتك ولو لساعة واحدة .. طوّقيني بأصابعك الملائكية .. إنني من دون حنانك أضيع وأتلاشى .. فلينتشلني قاربك الهاديء الأمين .. السابح بسلام فوق آمال المعجبين .. وكم سأكون سعيدا .. وكم ستضحك الدنيا لي .. وسوف أفرح واستبشر .. لو ابتسمتي بحنانٍ لي .. أو تطلّعتي في الصباح نحوي .. أو على الأقل سمحتي لصورتي أن تمرّ بخيالك ولو للحظة) ..
ويدفع القصاصة إليها مع الأجرة ..
فتقرأ كلماته المرتجفة بإمعان .. وتتأسف وتزفر بألم .. ثم تعيد إليه القصاصة بعد أن تكتب على ظهرها في الحال:
(يبدو أنّ الأوراق قد اختلطت عليك يا زميلي .. فلم تعد تدري أنّ الله خلقك لتساهم في صنع الحياة وليس لتصبح منديلا تافهاً في محفظة امرأة عادية .. كن واقعيا ولو لحظة واحدة .. كن سيدا ولاتكن عبدا .. تحرر من الأحلام والشعر .. وكفّ عن عبودية الأنثى .. وأعلم أن المرأة إنسان كالرجل تماما .. وهي تسعى كباقي المخلوقات نحو هدفها ..
المرأة ليست أنثى فقط .. أو جسدا للإعجاب والتشهّي .. المرأة بنت وأخت وأم .. وفي بعض الأحيان زوجة ..
إنني إنسان مثلك يا زميلي.. ولست من الحور أو الملائكة .. ولا كائنا خرافيا ينثر الأحلام والشعر .. بلمساته ونظراته أينما حلَّ وارتحل ..
ينبغي أن تعرف هذه الحقيقة .. وأن تحترم إنسانية المرأة .. وعندها فقط قد تنال إعجابها .. وربما ستفكر فيك إحدى النساء فيما لو قررتْ أن تنشئ أسرة .. وأرادت أن تعيش مع رجل يفهمها ..
احفظ هذا يا زميلي .. ولا تضيّعه كما ضيّعت دروسك .. واعتنِ بوقتك ومستقبلك .. ووفّر على نفسك الأوقات الثمينة التي ما تزال تنفقها في الاحلام والهلوسة .. وكن عزيزا مرفوع الرأس ولا تعش ذليلا هائما متوسلا) ..
****************
وبقرأ القصاصة ..
فتتخشّب أصابعه ويجفّ لسانه .. وتتصاعد في الحال ضربات قلبه .. ويصاب بصدمة أول الأمر .. كانت بمثابة صفعة قوية أيقظته من سبات عميق ..
فيخجل من نفسه .. و يُحرج أمام رجولته وأوراقه .. وأمام دفاتره الكثيرة التي يحملها ..
و أخيرا ..
يشعر بحاجة ماسة إلى الضحك .. الضحك على عقله الذي صغر إلى هذا الحد .. والضحك على مستنقع الرومانسية الذي وقع فيه منذ أن دخل الجامعة .. والضحك على منديل الحقيبة .. الذي أراد أن يزاحمه ويلعب بغباء دوره ..
و قبل أن ينفجر أمام الراكبين بالضحك .. صاح مسرعا بصوت خجول : نازل .. نازل أرجوك..
وقبل أن تقف السيارة .. وقبل أن تقترب من الرصيف .. نهض من كرسيّه محمرّ الوجه .. وفتح الباب على عَجَل .. وألقى بنفسه إلى الرصيف ..
وانفجر أمام المارة بالضحك ..
وظل يضحك ويضحك ..
ويلعن الغزل والرومانسية ..
وقصص الغرام والحب ..