صحيفة الناصرية الالكترونية:
تعد مدينة أريدو السومرية (الواقعة في محافظة ذي قار جنوب موقع أور الأثري) واحدة من أهم المواقع الأثرية القديمة والمدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إذ يعود تاريخ استيطانها إلى العام 6000 قبل الميلاد، وتحظى بأهمية كبيرة لدى العراقيين القدماء، كونها مركزا لعبادة إله الحكمة السومري (أنكي) الذي يشكل وجوده جزءا مهما في الميثولوجيا والحكمة السومرية القديمة.
وتناوب على التنقيب في أريدو (تعني بالسومرية المكان الواسع)، الكثير من علماء الآثار منذ عام 1850 على يد البريطاني جون جورج تايلر، ومن ثم عالم الآثار العراقي فؤاد سفر، في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، وانتهاء ببعثة مشتركة ضمت نخبة من الباحثين الآثاريين من العراق وايطاليا وفرنسا باشرت بعملها منذ العام 2019 ولغاية الآن.
في دراسة نشرتها مواقع علمية متخصصة، وأعدها فريق متعدد الجنسيات والاختصاصات من علماء آثار وجيولوجيين خلصت إلى أن “أريدو” ما زالت تحتفظ بإحدى أقدم شبكات الري وأكثرها حفظا في بلاد ما بين النهرين، ويعود تاريخها للفترة من 6000- 1000 ق.م، وتؤكد الدراسة على أن العراق القديم تاريخيا اعتمد على نهر الفرات وروافده لري المحاصيل، حيث كانت القدرة على تحويل مياه هذه الأنهار عبر القنوات أمرا أساسيا لاستدامة المستوطنات الحضرية، إلا أن معظم منشآت الري القديمة دُفنت تحت الرواسب النهرية أو استُبدلت بشبكات من عصور لاحقة، مما يُصعّب دراسة أقدم النظم الزراعية بالتفصيل.
وتؤكد الدراسة أنه بخلاف المناطق الأخرى التي هُجرت فإن أريدو ظلت تحتفظ بمعالمها حتى بعد تحول مجرى نهر الفرات، وقد مكّن هذا الوضع الاستثنائي الباحثين من تحديد ورسم خرائط دقيقة لشبكة معقدة من القنوات الاصطناعية التي يعود تاريخها إلى ما قبل الألفية الأولى قبل الميلاد. النهج الذي استخدمه معدي الدراسة كان نهجًا متعدد التخصصات يجمع بين التحليل الجيومورفولوجي (علم تضاريس الأرض) ومراجعات الخرائط التاريخية، وتكنولوجيا الاستشعار عن بُعدو استخدام صور الأقمار الصناعية العالية الدقة، بما في ذلك صور من برنامج كورونا- وهو برنامج امريكي لسلسة من الاقمار الصناعية التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في ستينيات القرن الماضي، وطائرات من دون طيار، بالاضافة إلى الصور الفوتوغرافية الأرضية، واستخدم الباحثون عدة طرق للتمييز بين القنوات الطبيعية والقنوات الاصطناعية مثل تحليل أنماط تدفق المياه والتضاريس واتجاهات التيار ووجود هياكل التحكم مثل السدود والثغرات الطبيعية أو الاصطناعية في سدود الأنهار التي سمحت بتوزيع المياه بشكل متحكم على السهول الفيضية.
وخلصت الدراسة إلى الكشف عن شبكة ري متطورة للغاية، تتألف من أكثر من 200 قناة رئيسية، يصل طول بعضها إلى 9 كيلومترات، وعرضها بين مترين وخمسة أمتار، متصلة مباشرة بمجرى نهر الفرات القديم , بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد أكثر من 4000 قناة أصغر، تتراوح أطوالها بين 10 و200 متر، كانت تُستخدم لتوزيع المياه على الأراضي الزراعية. كما وثّق فريق البحث وجود حوالي 700 مزرعة مُنظّمة حول هذه القنوات الفرعية. تعكس هذه المزارع، التي تراوحت مساحتها بين 500 و20 ألف متر مربع، نظامًا زراعيًا مكثفًا وعلى مستوى عال من التنظيم يضمن التوزيع العادل للمياه للمزارعين.
ومن الجوانب اللافتة في هذا الاكتشاف أنه على عكس مناطق بلاد ما بين النهرين الأخرى حيث تغيرت مجاري الأنهار بشكل كبير على مر القرون أكدت الدراسة على ان نهر الفرات ظل مستقرا في منطقة أريدو استقرارا نسبيا، مما سمح للقنوات الرئيسية بالاحتفاظ بوظائفها لعدة قرون. كما نوهت ايضا على أن الزراعة في بلاد ما بين النهرين لم تكن تعتمد فقط على الخصوبة الطبيعية للتربة، بل كانت تعتمد أيضًا على تخطيط هندسي متطور أذ تطلب إنشاء هذه القنوات وصيانتها معرفة متقدمة بهندسة الري من جهة والتنظيم الاجتماعي للمزارعين من جهة اخرى بما يضمن دوام واستمرارية عمل القنوات.
ومن التحديات الحالية التي تواجه الباحثين تحديد التسلسل الزمني الدقيق لمختلف أجزاء شبكة الري اذ يخطط الباحثون لإجراء حفريات طبقية وتحليل لبقايا الرواسب، وبالإضافة إلى ذلك، يهدف الباحثون إلى مقارنة هذه النتائج بالنقوش المسمارية التي تعود إلى تلك الفترة، على أمل ربط السجلات المسمارية بالأدلة المادية التي توفرها الدراسة لغرض تقديم رؤى جديدة حول إدارة المياه في دويلات العراق القديم.
المصدر: العالم الجديد