الطائرات الأميركية تهاجم {داعش} من قواعد تركيا

يوم الخميس الماضي ألقت تركيا بثقلها في المعركة ضد {داعش}، حيث أرسلت قواتها على وجه السرعة لتنفيذ أول مواجهة مباشرة مع المتشدّدين على الحدود مع سوريا كما أعطت موافقتها للطائرات الأميركية باستخدام القواعد الجويّة التركية في قصف هذه الجماعة في سوريا.هذه التطورات وضعت نهاية لتلكؤ طال أمده من جانب تركيا، وهي العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والحليف الوثيق للولايات المتحدة، فهي منذ الآن ستتولى دوراً أكثر هجومية في وقف توسع {داعش} في الشرق الأوسط.

ويقول المسؤولون الأميركيون: إن هذا سينطوي مستقبلاً على إمكانية ضرب أهداف لـ “داعش” بكفاءة أعلى بفضل قرب تركيا من ساحة الأحداث، الأمر الذي سيسمح بتنفيذ عدد أكبر من طلعات القصف والاستطلاع.

كانت تركيا، التي تعد المنفذ الحيوي الأساسي لإمداد قواعد “داعش” في سوريا بأسباب القوّة، موضع انتقادات متصاعدة بسبب عجزها عن وقف تدفق المقاتلين الأجانب والامدادات عبر حدودها التي تمتد لمسافة 800 كيلومتر ( أو ربما عدم رغبتها في ذلك).

كانت تركيا حتى الآن تعطي الأولوية للتعامل مع الشريحة الكردية المتململة لديها التي ترتبط بروابط وامتدادات تتخطى حدودها مع سوريا إلى الجنوب الشرقي وكذلك للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد الذي يحمله الأتراك مسؤولية خلق الظروف التي أدت إلى ظهور التشدّد الاسلامي في بلده الذي تمزقه الحرب.

أما الآن فقد أصبح التطرّف خطراً متنامياً يهدد تركيا، بالاضافة إلى مليون ونصف المليون لاجئ سوري يضغطون بثقلهم على البلد. وربما كانت سلسلة الهجمات التي شنتها “داعش” على الاتراك، ومن بينها التفجير الانتحاري المدمر الذي وقع قبل بضعة أيام، التي يربطها المسؤولون المعنيون هي الأخرى بالجماعة المتطرّفة، قد عجّلت في حدوث هذا التحول في الموقف التركي.

كان مسؤولو الأمن الداخلي الاتراك قد عبّروا عن تزايد شعورهم بالقلق من “داعش” مؤخراً عبر سلسلة من المداهمات الكبيرة التي نفذوها خلال الاسابيع القليلة الماضية واحتجزوا المئات ممن يشتبه بأنهم من عناصر التنظيم المذكور أو مواليه. بيد أن نقل المعركة إلى “داعش” في داخل سوريا يمثل قفزة جبّارة.

يقول مسؤول كبير من مكتب رئيس الوزراء التركي، تحدّث بشرط عدم ذكر اسمه مراعاة لبروتوكول الكتمان الذي تفرضه الحكومة: “هذه المنظمة الإرهابية تمثّل تهديداً للأمن القومي التركي ونحن نعمل بتواصل وثيق مع حلفائنا، ومن ضمنهم الولايات المتحدة، لأجل التصدي للإرهاب.” ولكن المسؤول أكّد أن تركيا لم تغيّر موقفها من الرئيس السوري بشار الأسد.

وفي عملية يصفها المسؤولون الاتراك بأنها أول مواجهة مباشرة مع ما يسمى “الدولة الإسلامية” عبر الحدود بادرت الطائرات والدبابات التركية والمدفعية التابعة للواء الخامس المدرّع بقصف المتشدّدين عبر الحدود. وصرّح مسؤول أمني لوكالة رويترز في وقت مبكّر من صباح يوم الجمعة أن المقاتلات التركية قد وجّهت ضربة إلى أربعة أهداف تابعة لـ “داعش” داخل سوريا عبر الحدود من محافظة “كلّس” دون عبور الحدود إلى داخل سوريا.

في يوم الخميس صرّح مسؤولون في إدارة أوباما كانوا يجرون مفاوضات مع تركيا على مدى أشهر من الزمن بأنهم قد توصلوا إلى اتفاق تقوم بموجبه الطائرات الحربية الأميركية، التي تطير بطيّار وكذلك تلك التي بلا طيّار، بشن هجمات على مواقع “داعش” من القاعدتين الجويتين في أنجرليك وديار بكر. وقد وصف مسؤول كبير في الإدارة الأميركية الاتفاقية بأنها “ستغير اللعبة”.

وقال مسؤول آخر في الإدارة الأميركية: إن الاتفاقية أبرمت بشكلها النهائي يوم الاربعاء الماضي من خلال مكالمة هاتفية بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والرئيس الأميركي أوباما. وكانت تركيا قد سمحت في السابق بإجراء طلعات جوية استطلاعية من قاعدة أنجرليك، ولكنها بقيت حتى الآن محجمة عن ابداء أي نشاط أكثر عنفاً وقوّة.

يقول مسؤولون في وزارة الداخلية الأميركية والبنتاغون أنهم يترددون في الإفضاء بمزيد من المعلومات عن الاتفاق قبل أن تعلنه الحكومة التركية، ولكن المسؤولين الاتراك امتنعوا ليلة الخميس عن الإدلاء بأية تعليقات عن هذا الشأن. وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية “جون كيربي” في تصريح له أن الولايات المتحدة وتركيا قد قررتا تعميق التعاون في مجال مقاتلة “داعش”، وأضاف أنه لن يسعه البوح بأية تفاصيل أخرى حالياً مراعاة للأمن العملياتي، على حد تعبيره.

وقعت الصدامات بين القوات المسلحة التركية و”داعش” في أعقاب قيام مسلحين عرّفهم الجيش التركي بأنهم من مقاتلي التنظيم بإطلاق النار على مخفر حدودي تركي في منطقة “كلّس” فتسببوا بمقتل جندي تركي وجرح خمسة آخرين.

وقال الجيش التركي في بيان له: إن القصف الحدودي جاء رداً على ذلك وأن أحد المتشدّدين على الأقل قد لقي مصرعه، وأفادت وسائل الإعلام التركية بأن القصف أدى إلى تدمير عدد من آليات “داعش”. هذه المصادمة وقعت بعد ثلاثة أيام من التفجير الانتحاري الذي ضرب مركزاً ثقافياً تركياً في بلدة “سروج” التركية وأدى إلى مقتل 32 شخصاً، والذي يعتقد أن لـ “داعش” يداً فيه.

كذلك صرّح مسؤولون في إدراة أوباما بأن الولايات المتحدة قد وافقت على العمل مع حلفائها الأوروبيين، ومن بينهم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لبذل مزيد من الضبط من جانبهم للسيطرة على سيل المقاتلين الأجانب المتوجهين عبر تركيا إلى سوريا. وفي إقرار بهذا الالتزام تجاه تركيا قال كيربي: إن الولايات المتحدة تعترف بأن مشكلة المقاتلين الأجانب ليست مشكلة تركيا وحدها، على حد تعبيره.

ليس من الواضح بعد ما هي التنازلات الأخرى التي قدمتها الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى هذه الصفقة، ولكن مسؤولاً في الناتو صرح يوم الخميس الماضي بأن الأتراك متشدّدون في موقفهم تجاه الصفقة.

جاء هذا النجاح في أعقاب محادثات جرت بين الجنرال “جون ألن”، وهو ضابط متقاعد في قوات المارينز والمبعوث الخاص للرئيس أوباما في المعركة ضد “داعش”، ونظرائه الاتراك. حيث يقول مسؤولون في الإدارة الأميركية ان رحلة الجنرال ألن سبقتها مكالمة هاتفية من “جوزيف بايدن” نائب الرئيس الأميركي إلى أردوغان. ويقول مسؤول رفيع المستوى في وزارة الدفاع: إن مهاجمة “داعش” للاهداف التركية كان لها دور مهم في القرار التركي بدخول المعركة ضد الجماعة المتشدّدة بصورة مباشرة. يقول هذا المسؤول، الذي تحدث مشترطاً عدم ذكر اسمه: “الهجمات داخل تركيا كانت جزءاً من الحافز الذي دعاهم للتفكير في كيفية الدخول إلى اللعبة والمشاركة فيها.”

أما بالنسبة للبنتاغون فإن القرار التركي تحول عظيم لأن القاعدتين الجويتين تقعان على مسافة من الحدود السورية أقرب بكثير من العراق أو الكويت أو الاردن أو الخليج التي كانت تنطلق منها الضربات الجويّة.

الاتفاقية الجديدة سوف ترفع إلى حد كبير ومؤثر المدى الزمني الذي تستطيع طائرات التجسس قضاءه في الطيران فوق سوريا، كما أنها ستقصّر زمن استجابة الطيران الذي يقوده طيارون للمعلومات الاستخبارية المتوفرة.

إبان هذا الاحتفاء بالاتفاقية يبقى المسؤولون العسكريون الأميركيون يلزمون جانب الحذر لأنهم يشعرون بأن تركيا قد سبق أن خذلتهم من قبل. ففي 2003 كان مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية يعتقدون أن بينهم وبين تركيا اتفاقية تسمح لهم بإرسال قوات من فرقة المشاة الرابعة التابعة للجيش الأميركي عبر تركيا إلى شمال العراق كجزء من عملية الغزو التي نفذت للإطاحة بصدام حسين. إلا أن البرلمان التركي رفض منح الموافقة وبذلك بقيت معدات الفرقة المذكورة على متن السفن قبالة الساحل.كان الاتراك قد أصروا في السابق على فرض منطقة حظر للطيران على الجزء الشمالي من سوريا بالقرب من الحدود مع تركيا مقابل السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها. منطقة حظر الطيران تلك كانت ستوجد ملاذاً آمناً لتسليح وتدريب عناصر المعارضة المعتدلة لقتال الأسد والسماح ببداية تأسيس حكومة معارضة. إلا أن الولايات المتحدة عارضت هذا الأمر رغم كونها تشاطر تركيا مقتها للأسد، لأن ذلك من وجهة نظرها سوف يؤدي إلى توسيع الهدف الذي أعلن عنه الرئيس أوباما صراحة وهو التركيز على تدمير “داعش” فقط. ولكن البعض من داخل الحكومة الأميركية، لاسيما وزارة الداخلية، يعتقدون أنها فكرة جيدة تستحق أن تدرس دراسة جدية.

عندما سئل الجنرال ألن يوم الخميس الماضي في “منبر أسبين الأمني” في كلورادو إن كانت منطقة حظر الطيران تشكل جزءاً من الصفقة مع تركيا رد بالقول: “كلا، لم تكن جزءاً منها.” ثم أحال الاسئلة الأخرى المتعلقة بالاتفاق على المسؤولين في واشنطن للاجابة عليها.

ويقول مسؤولون آخرون في الادارة الأميركية ان تزايد خطر “داعش” على تركيا، وكذلك تقلص رقعة سيطرة الأسد على الأرض السورية، هما العاملان اللذان جعلا الاتراك يتخلون عن هذا الشرط، في الوقت الحاضر على الأقل.

يقول “أندرو تابلر”، وهو خبير في شؤون السياسة العربية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: “يبدو أن الاتفاق يمثل لحظة تحول مهمة فيما يتعلق بالضربات الجوية.” ولكنه لا يلبث أن يضيف أن “داعش” بالنسبة للحكومة التركية ليست سوى شاهد واحد من شواهد انهيار الدولة في سوريا، وأن الحل يتمثل في إخراج الأسد من دمشق، على حد تعبير تابلر.

Comments (0)
Add Comment