أجمعت الشخصيات السياسية والعلمائية وغيرهم من المفكرين والباحثين، ممن شاركوا في مؤتمر “الوحدة الاسلامية” الدولي المنعقد أمس في طهران، على أهمية الوحدة بين البلدان الاسلامية ونبذ التطرف والارهاب المدعوم من دول أجنبية. المؤتمر الذي ينعقد هذا العام تزامنا مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، وولادة الإمام جعفر الصادق (ع) ، شاركت فيه وفود علمائية وسياسية وفكرية وثقافية وإعلامية واجتماعية من 65 بلداً من مختلف أنحاء العالم. ومثل العراق في الدورة الـ”28″ لهذا المؤتمر السنوي الذي ينظمه “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية”، رئيس “المجلس الاعلى الاسلامي” السيّد عمار الحكيم، ونائب رئيس الجمهورية نوري المالكي.
الحكيم: «داعش» أراد تعميق الشرخ الطائفي في المنطقة
وأكد الحكيم، ان هجمة “داعش” على مناطق شمال وغرب البلاد صيف العام الماضي، كان الهدف منها إحداث شرخ طائفي في المنطقة، وكذلك تمزيق اللحمة المجتمعية بين أطياف الوطن الواحد.
وقال الحكيم في كلمة القاها خلال المؤتمر: إن “تنظيم (داعش) أُريد منه ان يكون سبباً لاحداث فتنة طائفية كبيرة في العراق، لكننا حولناه الى فرصة للانسجام والوحدة بين الشيعة والسنة”.
وأضاف، “اننا في العراق حولنا التحدي الارهابي الى فرصة للوحدة بعد ان اريد من (داعش) ان يكون سببا في فتنة طائفية كبيرة بين المسلمين الشيعة والسُنة”، مؤكدا ان هجمة “الدواعش” على العراق كانت الغاية منها “تعميق الشرخ الطائفي في المنطقة”.
رئيس المجلس الاعلى أكد في كلمته أيضا، ان “الارهاب الذي أُريد منه ان يعزل العراق عن محيطه الاقليمي والمجتمع الدولي، تحول الى سبب في اطلاق رسالة بان الارهاب خطر على الجميع، وأوجب دعم العراق، بشكل حقيقي او بالادعاء، على اختلاف المستويات”.
وتابع، “الارهاب اريد له ايضا، ان يثير الخوف والرعب بين الناس ويكسر عزيمة الشباب والشعوب لكنه تحول الى سبب في ظهور جماعات كبيرة من الشباب المؤمن على مستوى التجربة العراقية، هبوا وخرجوا تلبية لنداء المرجع الديني الاعلى اية الله العظمى السيد علي السيستاني وباقي مراجع الدين في النجف”.
ومضى الحكيم بالقول: “خرج الناس وهبوا لمواجهة (داعش) وكذلك العشائر العربية الاصيلة، وقوات (البيشمركة) من اخواننا الكرد اصبحوا جبهة عريضة ويقفون في صف واحد”.
هجمة هذه العصابة الارهابية لم تحقق مرادها، وفق قول الحكيم: “لكننا لاحظنا انها تحولت إلى سبب من اسباب الوحدة والتماسك بين المسلمين امام هذا العدو، وتحقق الانسجام الداخلي العراقي، وهو ما نجده في سوريا وفي دول كثيرة”، مشيرا في هذا السياق الى الدور الايراني في رعاية “مؤتمر مهم لمواجهة التكفير في الاسابيع الماضية”.
وأشاد بـ”الدور الريادي والدعم اللامحدود الذي قدمته ايران للحكومة العراقية وابناء الشعب العراقي، من استشارة ودعم لوجيستي ومساعدة في مختلف المجالات لمواجهة التطرف”.
الزعيم الروحي لائتلاف “المواطن” خاطب المشاركين في المؤتمر الديني، قائلا إن “أخطر التحديات التي نواجهها هي ليست تلك التي تأتي من اعداء خارجيين لان العدو واضح ونحن نتوحد في المواجهة، لكن الاخطر هي التحديات الداخلية والصراعات التي يمر بها المسلمون في اوضاعهم الداخلية على خلفية مذهبية او طائفية او قبلية وعشائرية او مناطقية”.
وأضاف: “أصبحنا اليوم في وضع لا نحسد عليه امام العالم الذي ينظر الينا بشك وريبة واتهام في التطرف، فيما ان المسلمين عبر تاريخهم الطويل هم ضحية للارهاب والتطرف”، مبينا انه مما يؤسف له “اننا تركنا النار مستعرة وانشغلنا بمعالجة المصابين وتبادل الاتهامات في المتسببين، وعلينا اليوم ان نركز على اطفاء هذه النار التي تتمثل في الفكر التكفيري والتطرفي”.ودعا الحكيم المؤتمرين “علينا ان ننتقل بالوحدة كشعار الى استشعار حقيقي ونمارس هذه الوحدة في سلوكنا ومواقفنا اليومية وهذا ما نلاحظ اهميته في ظل التحدي الكبير الذي طرأ في واقعنا اليوم”.
وشدد الحكيم على ضرورة إصلاح مناهج التعليم، قائلا ان “المعاهد في عالمنا الاسلامي والمناهج تحتاج الى اصلاحات حقيقية حتى لا تنتج متطرفين يتم استغلالهم من قبل هذه الجماعات التكفيرية”، لافتا الى ان الشباب المسلم “يشهد حالة من الضياع الفكري والثقافي والمعرفي، والتأثر بالحضارة الغربية في سلوكهم اليومي”.
روحاني: مصالح العالم الاسلامي تتطلب منا الاتحاد ونبذ الخلاف والفرقة
الرئيس الايراني حسن روحاني، الذي رعى المؤتمر قال في كلمته: “إنه لو أردنا تحقيق الوحدة في العالم الاسلامي علينا تبيين التهديدات المشتركة التي تواجه بعضنا البعض واعتبار أنها تهديدات تواجه الجميع”، مشددا على ضرورة “القضاء على التعارض في المصالح اذا اريد للوحدة التحقق في العالم الاسلامي”.
وأضاف: “إذا أردنا تحقيق الوحدة بين الجميع ينبغي ان نعترف رسميا بالمذاهب الاسلامية كفروع وشعب لهذا الدين الحنيف.. من اجل مصالحنا ومصالح العالم الاسلامي يجب ان نكون متحدين ونبتعد عن الخلاف والفرقة”، منددا بممارسات المجموعات الارهابية في العالم الاسلامي “هؤلاء يقطعون الرؤوس ويدمرون المساجد والكنائس باسم الاسلام والجهاد”.
وهنأ الرئيس روحاني بذكرى المولد النبوي الشريف (ص) وحفيده الامام جعفر الصادق (ع). وقال، بهذا الصدد ان “المسلمين بأمــس الحاجــة اليوم الى نور هذين المولودين العظيــمين أكثر من أي زمن مضى، وان الرســـول الأكرم (ص) الـــذي أوضح للبشرية سبيل نيل الاخلاق الساميـــة والشموخ والسعادة ماديا ومعنويا وبين قيم الحضارة الاسلامية وتحققت على يديه المباركتين أمة موحدة في اطار الوحي”.
واكد، ان “الرسول الاكرم (ص) يريد منا التمسك بنهجه والسير على خطاه وسنته لكن العالم الاسلامي شهد خلال العام الماضي صراعات وتأجيج حروب وارتكاب مجازر بشكل لايصدق”، معتبرا ان الوحدة بين البلدان الاسلامية “لاتتحقق بالكلمات والشعارات فقط، وان مؤتمرات الوحدة الاسلامية يمكنها أن تشكل نقطة البداية لمسار الوحدة والتلاحم الصعب حيث لاتستطيع لوحدها تحويل الفرقة التي يعاني منها العالم الاسلامي الى الوحدة”.
وتابع: ان “الوحدة بحاجة الى سعة في الصدر والافق والتعرف على بعضنا البعض والمداراة، لو أن نظرتنا الى المذاهب الاسلامية بطرقها المتعددة تكون في اطار الاتجاه لتحقيق هدف واحد فإن الوحدة ستتحقق، لكن لو ان نظرتنا الى المذاهب تكون في اتجاه معاكس يبعد عن تحقيق الاهداف فإن الوحدة لن تتحقق”.
كما لفت، الى ان “الوحدة لن تتحقق بالنطق بها او تكرار كلمة الوحدة والاعتصام بحبل الله تعالى، وعلى الجميع الاستفادة من آليات تحقق المسار الوحدوي ولو ان قناة تلفازية او اذاعة ما تؤجج الخلافات مع المذاهب الاخرى باسم الدفاع عن الشيعة أو السنة فعلى الجميع التصدي لها وإدانتها بصوت واحد”، داعيا الى “بدء العالم الاسلامي، تعاونا جادا وعلميا اذا اريد للوحدة التحقق، وعلى الجميع ادانة من يسيء الى مقدسات الآخرين وطرده بموقف وصوت واحد”.
نبيه بري يندد بالمجازر التي ترتكب تحت غطاء الإرهاب
من جهته، ندد رئيس البرلمان اللبناني في كلمة تلاها نيابة عنه عضو هيئة الرئاسة في حركة “أمل” الدكتور خليل حمدان، بالافعال الاجرامية والمجازر الوحشية التي تشهدها العديد من دول المنطقـة التي تعيش شعوبها على صفيح ساخن.
وقال: إن “القتل والتشريد أخذا مأخذهما وسلبا ثروات الأمة بوضح النهار، وقطع رؤوس الأطفال وشق الصدور وأكل الأكباد بات يحتل الفضائيات شرقاً وغرباً”.
وأضاف “التفرقة أخذت مأخذها على صعيد المذاهب والأديان والإثنيات والعرقيات، حتى لم يتركوا صغيرة تفرق أو كبيرة تمزق وحدتنا إلا وسارعوا الى القيام بها، فالخسائـر الماديـة أكبر من أن تحصى والخسائر البشرية غير مسبوقة في التاريخ”.
وتساءل: “لكن ماذا عن تشويـه صورة الاسلام؟ ماذا عن قتـل عباد الله في بيوت الله تفجيراً وتدميراً وحرقاً ؟ وهل نحن أمام عولمة اللامبالاة كما يقول الحبر الأعظم في إحدى رسائله”.
وحذر من الوضع الكارثي، بالقول: “أيها الاخوة، لا نحتاج الى المزيد من الأدلـة لنؤكد على أن الوضع كارثي للغاية، فهو بوضوح الشمس في رأد الضحى”.وتابع “لكن هل نستطيع أن نحـدد الخسائـر؟ بالطبع لا، فقاع الأزمة حتى اللحظة غير منظور والثابت أن المستفيد من كل ما يجـري هو العـدو الصهيوني والاستعمار”.
وعاد ليتساءل “لماذا العراق والتخطيط الدائم للإجهاز عليه؟ وهل مـا جرى من ارهاب “داعشي” مجرد سلوك موتور أم أن هناك تدبيرا لأجهزة ودول تريـد اسقاط العراق الذي بـات ينهض بتصحيح المسار بعدما حرف صدام حسين البوصلة من القدس نحو ايران الاسلام؟”.
وشبه ما يجري في المنطقة “نحن أمام ثورة بلا عقل هدفها القتل للقتل وأقصى طموحها أن ترى المنطقة بكاملها بل الأمة كأنها تعرضت لحرب إبادة”.
وأضاف “أليست هي الحرب الناعمة التي تنبأت بها مكاتب دراسات منذ أكثر من ربع قرن؟ ألم يناقش ذلك في مؤتمرات هرتسليا المتوالية رداً على انتصار المقاومة في لبنان وفلسطين بإشعال المنطقة في حروب مذهبية طائفية عرقية ؟”.
وتابع: “الثابت أيضاً أن الدول الممانعة والعاملـة على تحرير المقدسات هي المستهدفة وكذلك الحركات والهيئات والأحزاب وحتى الجمعيات التي تؤمن بالمقاومة هي مستهدفة وكل من يتواطأ مع اسرائيل ينعم بالهدوء والرخاء وكأن المطلوب معاقبة المقاومة والفكر المقاوم”.
كما عاد ليتساءل “لماذا هذه الحرب العالمية على سوريا؟ أليس لأنها من الدول القليلة من دول الطوق التي لم تقم مفاوضات ثنائية مع العدو الصهيوني ولأن جيشها يمتلك عقيدة قتاليـة لتحرير المقدسات في فلسطين والدفاع عن الحق العربي والاسلامي. لذلك كل ما فيها مستهدف من القيادة الى المؤسسات الى الشعب فهو هدف للارهابيين”.
الشيخ نعيم قاسم: دعم المقاومة عامل للوحدة الإسلامية
اكد نائب الأمين العام لحزب الله لبنان الشيخ نعيم قاسم أن دعم المقاومة واستقلال الشعوب يشكل عاملاً للوحدة الإسلامية؛ محذراً من الترويج للخلفية المذهبية عند الخلافات السياسية كأحد التحديات أمام الوحدة الإسلامية.
وفي كلمته أمام مؤتمر الوحدة الإسلامية الثامن والعشرين المنعقد في طهران شدد الشيخ نعيم قاسم على أن أحد التحديات أمام الوحدة الإسلامية هو الترويج للخلفية المذهبية عند كل خلاف سياسي.
وحذر من أن الغلاة من كل الأطراف والمذاهب لا يرتاحون إذا وجدوا وحدة بين المسلمين؛ لافتاً إلى أن الخلاف المذهبي مطروح عند الغلاة والحكام المستبدين.
وأوضح أن الحكام المستبدين لا ينطلقون من منطلق مذهبي وأكثرهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام. مؤكداً على ضرورة الاهتمام بالحوزات والمدارس الدينية للترويج للشريعة السمحاء.
وأضاف: يجب أن نبرز موقف إيران ضد الاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق وضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
وفي جانب آخر من كلمته قال نائب الأمين العام لحزب الله لبنان: “لقد وصلنا إلى درجة من التماسك الداخلي في لبنان؛ وأدرك الجميع ضرورة الحوار الداخلي ورفع العنوان المذهبي”.
وأكد أن حزب الله يواجه كيان الاحتلال الإسرائيلي والتيار التكفيري والتبعية الأميركية التي تحاول السيطرة على المنطقة. مضيفاً أن: حزب الله أثبت أن الكيان الإسرائيلي لا يفهم إلا لغة القوة والاحتلال وخرج من لبنان ذليلا.
وزير الأوقاف الأردني: أدركنا خطورة الفكر المتطرف
من جهته، حذر وزير الأوقاف الأردني هايل عبد الحفيظ، من ظاهرة الإرهاب التي قال انها “أخذت تخرج الأمة عن قضاياها المصيرية”، مؤكداً أن الأردن أدرك خطورة الفكر التفجيري المتطرف.
وفي كلمة له خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الوحدة الإسلامية، أكد هايل عبدالحفيظ أن “التعصب الطائفي بات يضرب المنطقة بصورة غير مسبوقة مصحوباً بالحقد والكره والتكفير”.
وأضاف “نمر بمرحلة خطيرة وأوضاع صعبة بفعل الفكر المتطرف المشحون بالحقد والعداء”.
ولفت إلى أن الفكر المتطرف يستبيح الدماء؛ مؤكداً أنه ولأول مرة تأتي أولوية قتل المسلم للمسلم وذلك على يد الفكر المتطرف.
وحذر من أن ظاهرة الإرهاب أخذت تخرج الأمة عن قضاياها المصيرية؛ وقال نرفض الاعتداء على الإنسانية أياً كان معتقدها أو جنسها أو لونها.
وأضاف، ان الشباب المسلم يتجمعون من كافة بقاع الأرض من أجل قتل بعضهم البعض ليكون الرابح هم أعداء الأمة! وشدد على أن الأردن أدرك خطورة الفكر التفجيري المتطرف.
وأكد أن المنتمين للمذاهب الإسلامية على اختلافها هم مسلمون ومحترمون؛ وأضاف أن مكافحة الفكر المتطرف إنما هي جهاد في سبيل الله لأن الفكر المتطرف يشوه صورة الدين العظيم.
ومن المؤمل، ان تستمر أعمال المؤتمر الذي عقد تحت عنوان “الأمة الإسلامية الواحدة: التحديات والآليات” على مدى يومين، تبحث فيها الوفود المشاركة سبل مواجهة التطرف المدعوم خارجيا.