يتجلّى دور المثقف في أبهى صورة، حين يسخّر إبداعه في التعبير عن المشاعر الجمعيّة للشعوب، لاسيما تلك التي تتعلق بالمقدّس، الذي يجمع الناس في فعالية دينية ضخمة مثل أربعينية الإمام الحسين (ع)، التي أتاحت للنخبة المثقفة النهوض بوعي الطبقة الشعبية، والتماهي معها، والتعبير عن عقائدها في اللوحة التشكيلية والقصيدة، وغير ذلك من أنساق التعبير الإبداعي. وتكشف أحاديث مثقّفين وكتّاب لـ”الصباح” عن أن احتفالية “أربعينية” الإمام الحسين التي شرعت مواكبها تقدم خدماتها في أنحاء العراق وتبلغ ذروتها في 20 من صفر، التي توافق13 كانون أول الجاري، أعادتهم إلى الذات للانطلاق منها إلى الآخر ونسج جذور التفاهم المشترك معه، بل ان هذه المناسبة الخالدة التي يشترك فيها الناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية والأكاديمية، والطبقية، أتاحت لهم هوية جمعية، تستمد رموزها من جذور التاريخ الضارب في القدم.
في الوقت الذي يؤكد فيه الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي، على انه استمد ثيمات تشكيلية، من وحي المدينة المقدسة، أسماها “كربلائيات”، فان الشاعر أديب كمال الدين، كتب من وحي المناسبة الدينية، ابتهالاً صوفياً طويلاً، تجسّده قصيدة “أوقَفَني في موقفِ كربلاء”.
وعلى هذا النحو، أفاد المشاركون في هذا التقرير، بما يجعلنا نتصور عمق الإلهام الذي منحته هذه المناسبة لأصحاب الفكر والإبداع.
وقال الشاعر العراقي المقيم في استراليا أديب كمال الدين لـ”الصباح”، قضية الإمام الحسين ألهمته كتابة مجموعة شعرية هي عبارة عن ابتهال صوفي طويل، في إحدى قصائد المجموعة، يقول كمال الدين: أوقَفَني في موقفِ كربلاء/ وقالَ لي: يا عبدي/ امشِ خلف الرماح/ امشِ خلف رأس أبيك/ المحمولِ على الرماح/ أنتَ الناجي الوحيد/ وسط نساء يبكين بدموعٍ ثِقال/ والجندُ يرقصون طرباً رقصةَ الذهب/ وروحُكَ ترقصُ معهم/ رقصةَ العطشِ والرعبِ والتعب/ أنتَ الناجي الوحيد/ بين جَمْعٍ عجيب/ تحدّقُ مذهولاً في زرقةِ الكون/ وتستنجدُ بكلماتي التامّات/ لأنظر إلى محنتِكَ التي بدأتْ في كربلاء/ وانتهتْ إلى كربلاءات/ تصيحُ: أغثْني، إلهي، أغثْني/ فأقول: كم تمنّيتَ أن يكون رأسُكَ/ فوقَ الرماح/ وليس رأس أبيك”
أصبحت القضية الحسينية، اختبارا حقيقيا لقدرة الإنسان على توظيف التاريخ في أحداث الحاضر، لتصبح موقعة كربلاء أو “واقعة الطف”، من كونها رمزا للشجاعة والتضحية فحسب، إلى موضوع خصب في النصوص، واللوحات التشكيلية، وألوان الإبداع الأخرى.
وفي حديثه لـ”الصباح”، قال الفنان التشكيلي المقيم في المملكة المتحدة، فيصل لعيبي، “العديد من لوحاته استمدت روحها من إيحاءات المدينة المقدسة التي دفن فيها الإمام الحسين، مطلقا عليها تسمية (كربلائيات)”.
و يؤكد الشاعر والإعلامي رياض الغريب لـ”الصباح” أن الأربعينية أوحت له إبداعات شعرية عديدة، هي من أجمل ما نظم من قصائد، فانه يشير إلى أن “الإمام الحسين معنى يضاف لكل المعاني التي تعرّفنا عليها في حياتنا، ورمزية هذا المعنى تجعل منا نعيد لأنفسنا مجموعة من الأسئلة القابلة للانفتاح على أجوبة ومعان أخرى”.
واستدرك “في كل عام، وكلما اقتربت هذه الذكرى أردد مع نفسي: خروجك لا يشبه خروجنا/ مشيا إليك/ أنت مشيت لموتك/ ونحن للحلم الذي ينتاب انهمارنا مثل جريان لا يتوقف من الفقد والمسافات.
معركة كربلاء الخالدة استمرت ثلاثة أيام، وخُتمت في 10 محرم سنة 61 هـ (12 تشرين الثاني 680م)، بين أتباع الإمام الحسين وبين جيش يزيد بن معاوية، واستشهد فيها الحسين الذي لقّب بـ”سيد الشهداء”.
ومن ذلك التأريخ، أضاءت المناسبة، وذكرى مرور أربعين يوما على استشهاد الإمام، دهاليز التأريخ المظلمة، أتاحت للنخب المثقفة إيحاءات لأعمال ثرية بالابتكار، استمدت أهميتها من المناسبة الخالدة.
ويدعو الفنان التشكيلي ضياء الحجار، إلى توسيع احتفالية الأربعينية، إلى خارج إطارها الطقوسي، نحو آفاق أوسع، ترتقي إلى معاني الاستشهاد، لكي لا نستكين للظلم”.
وفي حديثه لـ”الصباح”، ينبّه الكاتب مكي الربيعي، إلى أن “الملحمة الحسينية كانت ومازالت، من أكبر القضايا الثقافية التي واجهت العصر الحديث، وحملت إليه مفهوم انتصار الدم على السيف، وإطلاق الصوت من أسره وتغييبه، وأعادت الإنسان إلى رشده، ليمضي من خلالها المثقف المعاصر نحو تفحص أدواته الكتابية وتنقيتها من جميع أشكــال الاستــلاب والتبعيــة”.
ويعترف الكاتب والشاعر هادي الحسيني المقيم في النرويج، لـ”الصباح” بأنه “استلهم الكثير من أعماله الإبداعية من مأساة الإمام الحسين، ومازال أمامه الكثير مما يسعى إلى إيجازه، من إيحاءات عاشوراء والأربعينية”. الشاعر كفاح وتوت، من مدينة كربلاء، يؤكد أن “كل المشاعر والأفعال لا تكفي منا لبلوغ أو تناول قضية الإمام الحسين لأن ما أعطاه، الإمام الحسين، وما ضحى به، خارج تصورات العقل، وما هو مألوف”.
وتوالى حديثه “الحسين مدرسة وعلينا أن نكون طلابها، وان نخلص له بالفعل والعمل وفق ما أراده الإمام، وأن نتخلق بأخلاقه وبالمبادئ التي استشهد من أجلها”.
إلى ذلك، يقول الإعلامي والتشكيلي، فهد الصكر، ان “قضية الإمام الحسين وذكرى الأربعينية، تكشف له أسرار الإبداع، وهي عنده “طقوس من التحدي لإثبات القوة الروحية في الذات، والانتماء إلى تفاصيل البطولة التي تجسّدت في واقعة الطف”.