القوات الأميركية تغادر أفغانستان مع نهاية 2016

في إطار إعلانه أن “الوقت قد أزف لطي صفحة عقد من الزمن كان قسط كبير من سياستنا الخارجية فيه منصباً على الحربين في أفغانستان والعراق”، على حد قوله، أعلن الرئيس أوباما الثلاثاء أنه قد خطط لانسحاب آخر جندي أميركي من أفغانستان بحلول نهاية العام 2016.
فبموجب الجدول الزمني الجديد الذي حدده أوباما من “روز غاردن” سوف يتم خفض تعداد القوات الأميركية الحالي في أفغانستان، والبالغ 32 ألف جندي، إلى 9800 جندي بعد هذه السنة.
هذا العدد أيضاً سوف يتم خفضه إلى النصف بنهاية العام 2015، ومع نهاية العام 2016 لن تبقى في البلد سوى قوة رمزية صغيرة لحماية السفارة في كابول ومساعدة الأفغان على إتمام المشتريات العسكرية وغير ذلك من الأمور الأمنية. وكان أقصى تعداد للقوات الأميركية هناك قد وصل إلى 101 ألف جندي ابان ذروة التدخل الأميركي في 2011.
قال أوباما ان سحب القوات القتالية من أفغانستان سوف يحرّر أموالاً يمكن استغلالها في مواجهة خطر الإرهاب الآخذ بالبروز والامتداد من الشرق الأوسط حتى افريقيا، وهي ستراتيجية سوف تبحث تفاصيلها في وقت لاحق. 
قال أوباما: “لقد تعلم الأميركيون أن إنهاء الحروب أصعب من الشروع بها، ومع هذا ستكون هذه هي الطريقة التي تنهى بها الحروب في القرن الحادي والعشرين.”ولكن بالرغم من محاولة أوباما إطلاق إشارة النهاية لثلاثة عشر عاماً من المشاركة الأميركية في أفغانستان فإن الولايات المتحدة ستبقى لديها قوات هناك منخرطة في عمليات شديدة الخطورة لمكافحة الإرهاب على مدى سنتين أخريين على الأقل. كذلك يقرّ الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة سوف تخلف وراءها إرثاً مجهول النتائج إلى أقصى درجة. قال أوباما: “نحن نعترف بأن أفغانستان لن تكون مكاناً مثالياً، ولكن مسؤولية جعلها كذلك ليست مسؤولية الأميركيين، فمستقبل أفغانستان شأن يقرره الأفغان أنفسهم.”
يقول المنتقدون الجمهوريون في الكونغرس انه على الرغم من تقبل الرئيس أوباما نصيحة قادته العسكريين بترك حجم ملحوظ من القوة فإن تحديد موعد زمني محدد وقاطع لمغادرة القوات من شأنه أن يعرض أفغانستان لمستوى معين من العنف وعدم الاستقرار. فقد أوصى القادة العسكريون بترك ما لا يقل عن 10 آلاف جندي في أفغانستان لعدّة سنوات بعد انتهاء العمليات القتالية هناك بشكل رسمي في 2014.فإلى جانب قيامها بعمليات ضد بقايا القاعدة ستقوم القوات التي تبقى بتدريب قوات الأمن الأفغانية. ولكن من 2015 وما بعدها ستتمركز في مقرات في مطار باغرام والعاصمة كابول. ومع أنهم سيتم دعمهم بقوات من حلف الناتو فمن المحتمل أن تحذو القوات الحليفة حذو أميركا وتنسحب مع نهاية 2016.
صدور هذا الإعلان من جانب واحد هو الرئيس أوباما يؤكد حالة انعدام الثقة بينه وبين الرئيس حامد كرزاي الذي رفض توقيع اتفاقية أمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. يقول أوباما ان أي استخدام للقوات الأميركية للفترة التي تلي 2014 سوف يكون قائماً على أساس توقيع الأفغان تلك الاتفاقية. ولكن الرئيس الأميركي يعود فيستدرك قائلاً ان كلا المرشحين اللذين سيتنافسان في الانتخابات القادمة للحلول محل السيد كرزاي قد وعدا بالقيام بذلك.
تحدث الرئيس أوباما مع السيد كرزاي هاتفياً صباح الثلاثاء الماضي وأوجز له الموقف، كما تحدث مع ثلاثة من الشركاء في حلف الناتو الذين لديهم قوات في أفغانستان وهم بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. وكان السيد كرزاي قد رفض دعوة وجهت إليه يوم الأحد للالتقاء بالرئيس أوباما في قاعدة باغرام إلى الشمال من كابول حيث قام الأخير بزيارة غير معلنة لتحية القوات الأميركية هناك.
صرح مسؤول  رفيع المستوى في الإدارة الأميركية بأن الرئيس أوباما يشعر بالتفاؤل إزاء التطورات التي تحدث في أفغانستان، وخصوصاً الجولة الأولى من السباق الرئاسي، إلى حد يجعله يتجنب “خيار الصفر” الذي سيكون معناه سحب جميع القوات مع نهاية العام 2014.
يقول “جيريمي باش” وهو رئيس أركان سابق في البنتاغون: “لقد كانت الأولوية بالنسبة للجنرال دانفورد وفريقه هي إبقاء أكبر عدد ممكن من القوات في أفغانستان طيلة الفترة القتالية من العام 2015.” مشيراً بذلك إلى الجنرال “جوزيف أف دانفورد” قائد القوات في أفغانستان.
ولم يحدد البيت الأبيض كم من القوات المتبقية بعد العام 2014 ستكلف بمهمات مكافحة الإرهاب، ولكن من المرجح جداً أن تكون هذه نسبة صغيرة من أصل القوة البالغ تعدادها 9800 جندي. وكالة المخابرات المركزية من جانبها بادرت بخفض تواجدها في ذلك البلد مع انتقال اهتمامها إلى مناطق أخرى من العالم، وبعض المليشيات الأفغانية التي أنشأتها الوكالة لمقاتلة المتشددين في الجنوب والشرق يجري حلها هي الأخرى بصمت وهدوء.
الرئيس أوباما يتحرك مدفوعاً بتصميم واضح على تحويل بؤرة سياسته الخاصة بمكافحة الإرهاب عن القاعدة في أفغانستان وباكستان وتركيزها على مجموعة أخرى من تهديدات المتشددين، الذين ينتمي بعضهم إلى تنظيم القاعدة، وتلك تهديدات أوسع انتشاراً منبعها سوريا امتداداً إلى نيجيريا.
في يوم الأربعاء الماضي صرح أحد المسؤولين بأن الرئيس أوباما يعتزم التأكيد على ارتقاء وضع سوريا المستمر كمرتع للارهاب مع إعطاء الإشارة بتقديم دعم أكبر للمعارضة. يقول المسؤولون ان من بين الخيارات المطروحة التوسع في برنامج تدريب الثوار، وهو برنامج تتولاه حالياً وكالة المخابرات المركزية من الأردن، ومن المحتمل أيضاً أن يكلف البنتاغون بتولي مهمة التدريب.
كذلك يمكن أن يجرى التدريب في البلدان المجاورة، ولكن المسؤول ينبّه على  أن الرئيس لم ينته إلى قرار قاطع بعد ومن المستبعد أن يطرح هذا الأمر للمناقشة التفصيلية خلال أيام. لكن الرئيس الأميركي تعهد بتقديم دعم أكبر لجهود مكافحة الإرهاب في العراق والأردن وتركيا وغيرها من البلدان المجاورة لسوريا.
إعلان أوباما بشأن أفغانستان أطلق العنان لمناظرات أوسع تتعلق بالستراتيجية العسكرية وأنجع الطرق للتدرج في خفض مستوى الحرب حتى إيقافها. يقول مسؤول كبير في الإدارة الأميركية ان تحديد جدول ثابت للانسحاب سوف يمنح حلفاءنا الأفغان وفي حلف الناتو القدرة على الاستقراء، ويجعلهم في الوقت نفسه يدركون أن المسعى الأميركي له حدود، وأننا لم نبصم على البقاء كقوة دائمية لحفظ الأمن في أفغانستان وقتال طالبان.
ولكن هناك من الضباط العسكريين السابقين من يقول ان قرارات سحب القوات ينبغي أن تكون معتمدة على تقييم الأوضاع على الأرض، لاسيما في بلد معقد مثل أفغانستان. أما القوة التي ستبقى فإنها تمثل الحد الأدنى لما يعتقد بعض الخبراء العسكريين أنه لازم لإدامة العمليات. ففي العام 2015 ستكون الولايات المتحدة قادرة على إبقاء مستشارين لها في المقرات المحلية الرئيسة التابعة للشرطة الأفغانية والجيش الأفغاني – وهو ما يصفه أحد كبار المسؤولين بأنه “مستوى الفيلق”- ولكنها لن يكون لديها مستشارون في الوحدات التكتيكية على أرض المعركة.
يقول “جاك كين”، وهو جنرال متقاعد وكان نائباً لرئيس أركان الجيش في إدارة جورج دبليو بوش، ان الجدول الزمني المحدد سوف يؤدي إلى عرقلة استمرار جهود مكافحة الإرهاب وتقوية ركائز الجيش الأفغاني. وهو يعتقد أن سحب تلك القوات بصورة اعتباطية من شأنه بالتأكيد أن يهدد إتمام المهمة بنجاح.يقول بعض المنتقدين في الكونغرس ان الموعد النهائي المحدد تكمن وراءه دوافع سياسية على ما يبدو. فانسحاب آخر القوات سوف يأتي قبل 20 يوماً من تخلي الرئيس أوباما عن منصب الرئاسة في 2017، وهذا سيتيح له أن يدعي النجاح في تحقيق واحد من الوعود الأساسية المهمة التي قطعها خلال حملته الانتخابية.
يقول النائب “هوارد مكيون” الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب ان الخروج الاعتباطي بهذه الكيفية لا ينطوي على أدنى قدر من سلامة المنطق. ثم يتساءل: “هل يريد هذا الرئيس أن يكرر الأخطاء التي ارتكبها في العراق عندما فشل في صياغة شراكة أمنية حقيقية معه؟”
حتى المدافعين عن أوباما لا يخفون شعورهم بالقلق من أن تؤدي سرعة وتائر الانسحاب إلى الفشل في المحافظة على المكاسب الأمنية التي تحققت في أفغانستان عبر حرب استمرت أكثر من عقد من الزمن. 
 * عن صحيفة نيويورك تايمز
 

Comments (0)
Add Comment